
في أديرة القرن الرابع، لاحظ الرهبان الذين اعتزلوا العالم ليتفرّغوا للصلاة شيئًا غريبًا: كل يومٍ تقريبًا، في الساعة نفسها من منتصف النهار، كانت تهبط عليهم موجةٌ من الفتور تشلّ كل رغبةٍ في الصلاة أو القراءة أو العمل. لم يكن تعبًا جسديًّا، فقد كانوا قد ناموا واستراحوا. كان شيئًا أعمق: نفورٌ مفاجئ من كل ما هو صالح، وكأنّ الخير نفسه صار ثقيلًا لا يُحتمل. وصف الراهب يوحنا كاسيان هذا الداء بأنه يضرب “كحمّى متقطّعة، في ساعاتٍ محددة من النهار”، وسمّاه تلاميذه لاحقًا “الشيطان الذي يزور عند الظهيرة”. وبعد قرون، جاء الفيلسوف واللاهوتي توما الأكويني ليمنح هذا الداء اسمه اللاتيني الدقيق: acedia، وهي الكلمة التي نترجمها اليوم، خطأً في الغالب، بكلمة “كسل”.
ولماذا يهمّنا هذا التمييز؟ لأن الكسل بمعناه الشائع شيءٌ نلوم عليه الجسد الخامل أو الإرادة الضعيفة، بينما رأى الأكويني أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. في كتابه الكبير “الخلاصة اللاهوتية”، لم يصف الكسل خمولًا في الجسد، بل حركةً دقيقة في القلب:
الكسل حزنٌ قاهر، يثقل على نفس الإنسان حتى لا يريد أن يفعل شيئًا.توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، ج2-2، م35
وهذا الحزن، بحسب الأكويني، ليس حزنًا على أي شيء، بل حزنًا خاصًّا على الخير نفسه — على الصلاة التي نعرف أنها تنفعنا فنثقل عن أدائها، وعلى الصفحة التي نعرف أنها تستحق أن تُكتب فنؤجّلها، وعلى المكالمة التي نعرف أنها ستريح قلبنا فنتجنّبها. ليس لأننا نكره هذه الأشياء، بل لأن جزءًا فينا يحزن على الجهد الذي تطلبه، وعلى الراحة التي سنفقدها في سبيلها، فيرتدي هذا الحزن قناع الفتور، ونحن نسمّيه كسلًا ونلوم أنفسنا عليه ظلمًا.
الحزن الذي يتنكّر بزيّ الفتور
وهنا تفيدنا نظرة كارل يونغ عن الظلّ: فحين نتجاهل شعورًا في داخلنا ولا نواجهه بصدق، لا يختفي، بل يظهر في هيئةٍ أخرى نقبلها أكثر من مواجهته المباشرة. كما رأينا في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن ما لا نتصالح معه لا يُلغى، بل يتنكّر في زيٍّ آخر ويعود من باب أضيق. وهذا بالضبط ما يفعله الكسل بمعناه العميق: حزنٌ حقيقي على مواجهةٍ نخشاها، يظهر لنا في صورة فتورٍ عابر، فنعالجه بمزيدٍ من اللوم بدل أن نسأله: ما الذي أحزنك حقًّا في هذا الخير الذي أهرب منه؟

ولاحظ الأكويني أيضًا أن هذا الحزن يشتدّ حين نبتعد عن مصدره، ويخفّ حين نقترب منه — وهذا عكس ما نظنّه غالبًا. فنحن نهرب من الصلاة أو العمل أو المكالمة الصعبة ظنًّا منّا أن الابتعاد يريحنا، بينما الحقيقة أن الابتعاد يمنح ذلك الحزن مساحةً أكبر ليكبر في خيالنا، تمامًا كطفلٍ نائم يهدأ حين نقترب منه بحنان، ويصرخ أكثر حين نتركه وحده في الظلام. والفرق بين من يُنهك بالكسل ومن يتجاوزه ليس فرقًا في قوة الإرادة، بل في الشجاعة الصغيرة اللازمة للاقتراب خطوةً واحدة من الشيء الذي نخشاه، بدل الفرار منه إلى ما هو أسهل وأفرغ.
الدواء الذي لا يحتاج معجزة
والأجمل أن الأكويني لم يترك القارئ عند التشخيص وحده، بل ترك أيضًا دواءً بسيطًا حتى يكاد يكون ساذجًا في بساطته:
كلما أطلنا التفكير في الخيرات الروحية، ازدادت محبّتنا لها، وعندها يذوب الكسل من فوره.توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، ج2-2، م35
لم يقل الأكويني إن الدواء مواجهةٌ عنيفة أو انضباطٌ حديدي، بل انتباهٌ متجدّد: أن نعيد نظرنا، ولو للحظةٍ واحدة، إلى الخير الذي نهرب منه، فنتذكّر لماذا كان يستحق جهدنا أصلًا. وهذا صدىً لِما رأيناه في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة: أن الاستمرار لا يحتاج معجزةً واحدة كبرى، بل التفاتةً صغيرة متكررة، تكفي لتذيب ثقلًا كان يبدو صلبًا كالحجر. فالخطوة الأولى نحو الصفحة البيضاء، أو نحو المكالمة المؤجَّلة، ليست انتصارًا نهائيًّا على الكسل، بل مجرد نظرةٍ صادقة تكفي لتبدأ الذوبان.
وربما هذا أرحم ما في درس الأكويني: أنه لا يطلب منّا أن نهزم هذا الحزن مرّةً وللأبد، بل أن نعترف به أولًا — أن نقول لأنفسنا، بلا خجل، “أنا لست كسولًا، أنا حزينٌ من شيءٍ لم أواجهه بعد”، تمامًا كما تعلّمنا في مقال ثقلٌ نحمله باسم الكمال أن قول “لا أعرف” ليس ضعفًا بل بابًا نحو الاتّساع. فمن يعترف بحزنه يجد طريقه إليه أقصر ممّا تخيّل، ومن يواصل تسميته كسلًا يبقى يدور حول الباب نفسه دون أن يطرقه.

ولكل ظهيرةٍ تزورنا فيها هذه الحمّى الهادئة، هناك أيضًا فجرٌ يسبقها كل يوم، لم يطلب منّا شيئًا سوى أن نفتح له عيوننا. فلسنا مطالَبين أن ننتصر على هذا الحزن العتيق إلى الأبد، بل فقط أن نلتفت إليه اليوم، مرّةً واحدة، بصدقٍ لا بلوم. وهذا وحده كافٍ ليبدأ الذوبان من جديد، غدًا كما اليوم، حتى يصير الالتفات عادةً لا معركة. وقد كتب أحدهم، في زماننا هذا، عن نسخةٍ حديثة من هذا الحزن حين يتحوّل إلى انسحابٍ هادئ من العمل نفسه، وهو ما يستحق قراءةً في مقال الانسحاب الهادئ.

