كرسي مكتب فرنسي أنيق من القرن الثامن عشر
«كرسي مكتب»، فرنسا، نحو 1760 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

انتشر قبل سنوات مصطلحٌ صغير غزا مواقع التواصل: «الاستقالة الهادئة» — أن يؤدي الموظف عمله بالضبط كما هو مكتوبٌ في وصفه الوظيفي، لا أكثر قيد أنملة: لا رسائل بعد ساعات الدوام، لا مهامّ إضافية بلا مقابل، لا تطوّع دائم لِمَا لم يُطلب. وقد استُقبل المصطلح بجدلٍ حادّ: رآه بعضهم تمردًا مقلقًا على أخلاقيات العمل، ورآه آخرون تصحيحًا متأخرًا لعقودٍ من ثقافةٍ طلبت من الموظف أن يعطي كل شيء ويعتبر ذلك شرفًا لا حقًّا يستحق أجرًا.

والمثير أن الاسم نفسه مضلِّل بعض الشيء؛ فما يصفه هؤلاء ليس استقالة ولا كسلًا حقيقيًّا، بل حدًّا. فالموظف الذي يؤدّي عمله كاملًا في ساعاته المتفق عليها، ثم يعود إلى بيته ليعيش حياته، ليس متكاسلًا؛ إنه ببساطة يرفض أن يعامل عمله بوصفه الهوية الوحيدة التي يستحق أن يعيش من أجلها. والمفارقة أن هذا الرفض جاء بعد سنواتٍ طويلة سمّى فيها الجميع الإنهاك «شغفًا»، والاستنزاف «التزامًا»، وكأن كل مطلبٍ إضافي يستحق الاحتفاء لا التساؤل.

حين يصير الحدّ فضيلة لا نقيصة

ولعلّ ما يجعل هذا الموضوع مرتبطًا بالكسل حقًّا هو الخوف المعاكس: الخوف من أن يُرى المرء كسولًا إن رسم لنفسه حدًّا. وهذا الخوف تحديدًا هو ما يستدعي عدسة كارل يونغ: فحين نخاف أن نُرى كسالى، غالبًا ما نُسقط هذا الخوف على أنفسنا فنُثقلها بعملٍ لا ينتهي، لا لأن العمل يحتاج ذلك، بل لأننا لم نتصالح بعد مع فكرة أن قيمتنا لا تُقاس بساعات إنهاكنا. والظلّ هنا ليس الكسل الذي نخافه، بل شعورٌ قديم بأننا لسنا كافين إلا حين نُثبت العكس بتعبٍ لا يهدأ.

وقد عرّفت الباحثة كريستينا ماسلاش، رائدة دراسات الاحتراق الوظيفي، هذا الاستنزاف بثلاثة أبعاد: إرهاقٌ عاطفي، وشعورٌ بالتبلّد تجاه العمل، وإحساسٌ متضائل بالإنجاز. والملاحظ أن الاستقالة الهادئة غالبًا ما تظهر كردّ فعلٍ متأخر على هذه الحالة بالذات: حين يفقد الموظف إحساسه بأن جهده الإضافي يُقابَل بأي تقديرٍ حقيقي، يبدأ يسحب يده رويدًا رويدًا، لا انتقامًا، بل حماية لبقيةٍ من نفسه لم تُستهلك بعد.

أعتقد أن هناك قدرًا هائلًا من العمل يُنجَز في العالم اليوم، وأن ضررًا بالغًا ينتج عن الاعتقاد بأن العمل فضيلة في ذاته.برتراند راسل، في مديح الكسل

وكتب راسل هذه الكلمات قبل قرابة قرن، حين لاحظ أن مجتمعاتٍ كاملة صدّقت أن الانشغال المستمر علامة أخلاقية، لا مجرّد عادةٍ اقتصادية نشأت في ظروفٍ تاريخية معينة. ورأى أن تقليص ساعات العمل، لا زيادتها، هو ما يصنع مجتمعًا أكثر إبداعًا وسعادة، لأن الإنسان الذي يملك وقتًا لنفسه يعود إلى عمله بطاقةٍ حقيقية، لا بقايا طاقةٍ استُنزفت في يومٍ لا ينتهي.

تمثال بورسلين لشخصية هارلكوين ترتدي زيّ المهرّج المرقّط، من مصنع هوخست الألماني
مصنع هوخست، «هارلكوين»، نحو 1750–1753 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذا التمثال، يرتدي هارلكوين قناعه المرقّط الذي لا يفارقه، شخصيةٌ مسرحية وُجدت لتُسلّي غيرها دومًا. وكثيرٌ منا يرتدي قناعًا شبيهًا في عمله: قناع «الموظف المثالي الذي لا يتعب أبدًا ولا يرفض طلبًا». والاستقالة الهادئة، في جوهرها، محاولةٌ لخلع هذا القناع قليلًا، لا لإيذاء أحد، بل لأن الوجه الذي تحته يحتاج أن يتنفّس أيضًا.

ويستحق أن نذكر أن هذه الموجة لم تظهر من فراغ؛ فقد سبقتها سنواتٌ طويلة من خطابٍ يمجّد «الشغف» كشرطٍ للعمل، حتى صار كل طلبٍ للحدود يُقرأ على أنه نقصٌ في الحماس. وكتبت الصحفية الأمريكية آن هيلين بيترسون عن جيلٍ كامل نشأ وهو يظن أن التعب الدائم دليل جدارة، فاكتشف متأخرًا أن هذا التعب لم يُثمر أمانًا وظيفيًّا ولا رضًا حقيقيًّا، بل استنزافًا صامتًا سُمّي إنتاجية. والاستقالة الهادئة، من هذه الزاوية، أقرب إلى تصحيحٍ متأخر منه إلى تمرّد؛ محاولة لاستعادة تعريفٍ أبسط وأصدق لما يعنيه أن نعمل بإخلاص دون أن نفني أنفسنا في سبيل ذلك.

الفرق بين الانسحاب والانطفاء

وهنا يجدر التفريق بدقة: فثمة فرقٌ كبير بين أن نرسم حدًّا صحيًّا لعملنا، وبين أن ننطفئ تمامًا فنؤدي كل شيء بلا معنى ولا اهتمام. الأول حكمة، والثاني علامة استنزافٍ لم يُعالَج بعد. والصوفية القدامى كانوا يعرفون هذا التوازن جيدًا حين تحدثوا عن الاعتدال في العمل كما في كل شيء: لا إفراطٌ يُذيب النفس، ولا تفريطٌ يُطفئ جذوتها، بل مقدارٌ نعطيه بصدق ونتوقف عنده بصدقٍ مماثل.

ساعة حائط فرنسية أنيقة من صنع جان باتيست لوبوت، القرن الثامن عشر
جان باتيست لوبوت، «ساعة»، نحو 1775–1780 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وتذكّرنا هذه الساعة الأنيقة أن الوقت نفسه لم يُخلق ليُستهلك كله في مكانٍ واحد. فساعات العمل جزءٌ من اليوم، لا اليوم كلّه؛ وحين نستعيد الساعات الأخرى — للراحة، وللأحبة، ولأنفسنا وحدنا — لا نسرق من عملنا شيئًا، بل نُعيد له حدوده الطبيعية التي كان يجب أن تبقى منذ البداية. وربما هذا أجمل ما تقوله هذه الموجة الهادئة رغم كل الجدل حولها: أننا لسنا آلات قياسها الإنتاج وحده، بل بشرٌ يستحقون أن يعملوا بإتقانٍ في وقتهم، ثم يعودوا إلى حياتهم كاملةً غير منقوصة، ليكتشفوا أن الإرادة الحقيقية ليست في العطاء بلا حدود، بل في معرفة أين يبدأ حدّنا وأين ينتهي، بسلامٍ لا بذنب.