لوحة طبيعة صامتة ألمانية لجورج فليجل، تصوّر خبزًا وفاكهة وكأس ماء بترتيبٍ بسيط
جورج فليجل، «طبيعة صامتة»، نحو 1625–1630 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

صار اسمه صفةً يستخدمها الناس اليوم لوصف من ينغمس في كل ملذّاته دون حساب: «أبيقوري»، أي منغمسٌ في الطعام والشراب واللذّة الجسدية بلا قيد. لكنّ أبيقور نفسه، الفيلسوف اليوناني الذي عاش قبل أكثر من ألفي عام، كان يعيش حياةً بالغة البساطة: خبزٌ وماء وقليلٌ من الجبن في المناسبات، وحديقةٌ صغيرة يجتمع فيها مع أصدقائه للنقاش. وحين سُئل عن سرّ سعادته، لم يتحدث عن الولائم، بل عن شيءٍ أعمق بكثير من أي طعامٍ يمكن تذوّقه.

ليس ما نملكه، بل ما نستمتع به، هو ما يصنع غنانا.أبيقور

وهذه الجملة تقلب فكرتنا المعتادة عن الغنى رأسًا على عقب: فالغنى، عند أبيقور، ليس كمّية الأشياء التي بحوزتنا، بل عمق قدرتنا على أن نستمتع بما بين أيدينا فعلًا. وهذا يعني أن رجلًا يملك القليل ويستمتع به كاملًا أغنى من رجلٍ يملك الكثير ولا يشعر به. فاللذة، في فلسفته، ليست في تكديس التجارب، بل في الحضور الكامل داخل التجربة الواحدة البسيطة: كسرة خبزٍ تُؤكل بامتنان قد تمنح متعةً أعمق من مأدبةٍ فاخرة تُلتهم بشرود.

لماذا أخطأنا فهمه

وسوء الفهم الذي لحق باسم أبيقور له تفسيرٌ يشبه ما نراه اليوم في علم النفس: فحين نلاحق اللذة بلا وعي، نقع فيما يمكن أن نسمّيه — على طريقة كارل يونغ — إسقاطًا للفراغ الداخلي على تجربةٍ خارجية نظنّها ستملؤه. نأكل أكثر مما نحتاج لا لأننا جائعون، بل لأن شيئًا في داخلنا قلق فيبحث عن تهدئةٍ سريعة. وهذا بالضبط ما حذّر منه أبيقور: أن نخلط بين اللذة الطبيعية الضرورية — كالطعام حين نجوع — وبين اللذة التي لا حدّ لها، والتي كلما أشبعناها طلبت المزيد، تمامًا كما رأينا في حديثنا عن الطمع.

وقسّم أبيقور الرغبات إلى ثلاثة أنواع: رغباتٌ طبيعية وضرورية، كالطعام والمأوى؛ ورغباتٌ طبيعية غير ضرورية، كطعامٍ فاخر حين يكفينا طعامٌ بسيط؛ ورغباتٌ ليست طبيعية ولا ضرورية، كالشهرة والسلطة المطلقة. وحكمته كانت أن نُشبع النوع الأول دون تردد، ونتحرّى الحذر مع الثاني، ونتحرّر تمامًا من الثالث، لأنه بئرٌ بلا قرار. ومن طبّق هذا التقسيم البسيط في حياته اليومية، وجد أن أغلب قلقه كان مصدره رغباتٍ من النوعين الأخيرين، لا الأول.

لوحة العشاء الأخير لرسامين فلمنكيين مجهولين، تصوّر مائدةً بسيطة يجتمع حولها الأصدقاء
رسامون فلمنكيون، «العشاء الأخير»، 1515–1520 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وتأمّل هذه المائدة: ليست مليئة بأصناف لا تُحصى، لكنها مكتملة، لأن ما يجعلها كذلك ليس كثرة الطعام بل رفقة الجالسين حولها. وهذا كان جوهر حديقة أبيقور نفسها: لم يكن يبحث عن ملذّاتٍ فردية معزولة، بل عن صداقةٍ حقيقية يشاركها الطعام البسيط. وقد قال إن الصداقة من أعظم ما تمنحه الحكمة للحياة كلها، لأنها اللذة الوحيدة التي تزداد كلّما شاركناها، بعكس كل لذّةٍ ماديةٍ تنقص كلّما اقتسمناها.

وقد كتب أبيقور وصيةً في أيامه الأخيرة، وهو يعاني ألمًا جسديًّا شديدًا، يقول فيها إنه، رغم الألم، يشعر بسعادةٍ كاملة حين يتذكر محادثاته الفلسفية مع أصدقائه. وهذا يكشف بُعدًا آخر من فلسفته: أن اللذة الحقيقية التي دافع عنها لم تكن يومًا لذةً جسدية بحتة، بل لذة الذهن الهادئ الخالي من القلق، وهو ما سمّاه «الأتاراكسيا» أو طمأنينة النفس. فمن بلغ هذه الطمأنينة، لم يعد يحتاج مأدبةً ليشعر بالسعادة؛ صار قادرًا أن يجدها في كسرة خبزٍ، أو في حوارٍ صادق، أو في لحظة سكونٍ لا يشوبها خوفٌ من الغد.

الاعتدال كطريقٍ إلى المتعة لا نقيضها

وهذه هي المفارقة التي أراد أبيقور أن يعلّمنا إياها: أن الاعتدال ليس عدو اللذة، بل طريقها الآمن الوحيد. فمن يأكل بلا حدّ يفقد قدرته على تذوّق الطعام أصلًا، ومن ينام كثيرًا يفقد لذة الاستيقاظ منتعشًا، ومن يشتري كل ما يريد يفقد فرحة الانتظار والاستحقاق. اللذة، إذن، تحتاج حدودًا لكي تبقى لذة؛ فبلا حدود تتحول إلى تعوّدٍ لا شعور فيه، ثم إلى إدمانٍ يطلب المزيد فقط ليعود إلى نقطة الصفر التي بدأ منها.

طبقٌ ياباني تقليدي منقوش برسم شجرة صنوبر، من مطلع القرن التاسع عشر
«طبق منقوش برسم شجرة صنوبر»، اليابان، أوائل القرن التاسع عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي تقاليد كثيرة، من اليابان إلى بلاد الصوفية، نجد الفكرة نفسها: أن الجمال الحقيقي يظهر في الشيء البسيط حين نمنحه انتباهنا الكامل، لا في تكديس أشياء كثيرة نمرّ عليها سريعًا. طبقٌ واحدٌ منقوشٌ بعناية، يُستخدم بامتنان، يمنح متعةً لا تمنحها عشرات الأطباق المهملة في خزانة. وهذا هو الدرس الأخير الذي تركه لنا أبيقور، رغم كل ما لحق باسمه من سوء فهم: أن السعادة لا تُشترى بالكثرة، بل تُصنع بالانتباه؛ وأن كسرة خبزٍ نأكلها بحضورٍ كامل، مع صديقٍ نحبّه، قد تكون أدسم مأدبةٍ عرفها إنسان.