افتح أي درجٍ في بيتك، وستجد على الأرجح شيئًا لم تلمسه منذ سنة، ولا تتذكر لماذا اشتريته، ولا تجرؤ على التخلّص منه لأنه «قد يفيد يومًا». اجمع هذا في كل درج، وكل رفّ، وكل خزانة، تجد بيتًا كاملًا بُني — بلا أن يقصد أحد ذلك — من أشياءَ تنتظر يومًا لن يأتي. وهذا نوعٌ هادئ من الطمع، لا يشبه جمع الذهب في القصص القديمة، لكنه يعمل بالمنطق نفسه تمامًا: أن نظنّ أن الامتلاء يمنحنا أمانًا، فنملأ حتى يضيق المكان بنا نحن.
ويبدأ الأمر بريئًا: شيءٌ صغير نشتريه لأنه رخيص، وآخر نحتفظ به لأنه هدية، وثالثٌ لأننا «قد نحتاجه». وكل قرارٍ على حدة يبدو معقولًا، لكن مجموع هذه القرارات الصغيرة يصنع بيتًا يتنفّس بصعوبة، وذهنًا يشعر بثقلٍ لا يعرف مصدره. وقد لاحظت دراساتٌ كثيرة أن الفوضى المرئية حولنا ترفع مستوى التوتر دون أن نشعر بالسبب مباشرة؛ العين تسجّل كل شيءٍ غير مرتّب كمهمّةٍ معلّقة، حتى لو لم نلتفت إليها بوعينا.
لماذا يصعب أن نترك
وهنا يفيدنا أن نسأل مع كارل يونغ: لماذا نتشبّث بأشياء لا نستخدمها؟ غالبًا لأن الشيء لم يعد شيئًا، بل صار حاملًا لذكرى، أو لخوفٍ من الندم، أو لصورةٍ عن أنفسنا نخشى أن نفقدها إن تخلّينا عمّا يمثّلها. القميص الذي لم يعد يناسبنا يحمل ذكرى جسدٍ أصغر، والكتاب الذي لم نقرأه يحمل صورة «الشخص المثقف» الذي نودّ أن نكونه. فالتخلّص من الشيء يصير، في العمق، تخلّيًا عن جزءٍ من قصةٍ نرويها لأنفسنا عن أنفسنا، وهذا أصعب بكثير من مجرّد رمي غرض.
لا تُبقِ في بيتك شيئًا لا تعرف أنه نافع، أو لا تؤمن أنه جميل.وليام موريس
وهذه القاعدة، رغم بساطتها، تحمل معيارًا صارمًا وحكيمًا: النفع أو الجمال، لا الاحتمال. فكثيرٌ مما نحتفظ به لا هو نافعٌ فعلًا ولا هو جميلٌ فعلًا، بل هو ممكنٌ فقط — ربما يُستخدم، ربما يُعجب أحدًا، ربما نحتاجه يومًا. و«ربما» هذه هي وقود الفوضى؛ فكل شيء يمكن تبريره بـ«ربما»، ولا شيء يُستبعد إن ظللنا نحتكم إليها وحدها.
وتأمّل الفرق بين هذه اللوحات الهادئة القليلة العناصر، وبين خزانةٍ مكتظة لا تعرف عينك أين تستقر فيها. القلّة هنا ليست فقرًا، بل وضوحًا: كل شيءٍ في مكانه، له سببٌ لوجوده، ويمكن للعين أن تستريح عليه. وهذا بالضبط ما تفتقده الغرفة الممتلئة: ليس نقصًا في الجمال، بل غيابًا للوضوح، حتى يصير الجميل نفسه غيرَ مرئي، مدفونًا تحت طبقاتٍ من أشياء أخرى لا نراها ولا نتذكرها.
ويلاحظ من يجرّب إفراغ خزانةٍ واحدة بجدية شعورًا غريبًا يسبق الارتياح: تردّدًا يشبه الخوف، وكأن كل قطعةٍ تسأل: ألن تحتاجني يومًا؟ وهذا التردد نفسه يستحق أن نتأمّله، لا أن نستسلم له فورًا؛ فهو غالبًا صدى خوفٍ أقدم من الشيء نفسه — خوفٌ من الندم، أو من فقدان السيطرة، أو من الاعتراف بأننا أخطأنا حين اشترينا ما لم نكن نحتاجه من الأساس. ومن تجاوز هذا التردد مرّةً واحدة، ووجد أن الحياة استمرّت بسلامٍ بعد التخلي، يصير أخفّ يدًا في كل مرّةٍ تالية.
الإفراغ بوصفه عطاءً لا خسارة
ولعلّ أجمل ما في فنّ التخلّي عن الفائض أنه ليس خسارة، بل نوعٌ من العطاء: فما لا نحتاجه قد يحتاجه غيرنا، وما لا يخدمنا قد يخدم شخصًا آخر في مكانٍ آخر. وحين نتخلّى عن الشيء بهذه النية — لا رميًا بل عطاءً — يخفّ الأمر كثيرًا، لأننا لا نفقد شيئًا في الحقيقة، بل نُعيده إلى الحركة بدل أن يبقى ساكنًا في زاويةٍ منسية.
وفي هذه اللوحة، لا تحتاج الطاولة إلا إبريقًا وقليلًا من الفاكهة لتكون كاملة الجمال. لا شيء ناقص فيها رغم قلّة عناصرها؛ بل ربما لأجل قلّتها بالذات نستطيع أن نرى كل عنصرٍ فيها بوضوح. وهذا ما يعد به إفراغ البيت: ليس بيتًا فارغًا وبلا روح، بل بيتًا تستطيع فيه أن ترى الأشياء القليلة التي تحبّها فعلًا، بدل أن تغرق وسط كثرةٍ تُشتت النظر قبل القلب.
وربما أصدق ما يمكن أن نتعلّمه من هذا كله أن راحة البيت لا تُقاس بعدد ما فيه، بل بالمسافة التي يتركها لنا لنتنفس بين الأشياء. فحين نُفرغ رفًّا واحدًا، أو نُخرج صندوقًا واحدًا من الأشياء التي لم نعد نحتاجها، لا نخسر شيئًا حقيقيًّا؛ نكسب مساحةً كانت مسروقة منّا طوال الوقت، ونكتشف أن البيت الأخف هو البيت الذي نعود إليه أخيرًا لنستريح، لا لنتذكّر كل ما لم نُنجزه بعد.
