نقشٌ إيطالي بعنوان الغرور، لامرأةٍ تنظر في مرآة، من القرن السادس عشر
إنيا ڤيكو، «الغرور»، 1545–1550 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

تفتح الهاتف، تلتقط صورة، ثم قبل أن تنشرها تمرّ يدك على شاشةٍ تُنعّم البشرة وتُصغّر الأنف وتُبرز العينين قليلًا، بلا وعيٍ تقريبًا، كأنّ هذه خطوةٌ عادية في التقاط أيّ صورة. ثم تنظر إلى الصورة المعدَّلة، فتشعر — للحظة — أنها أنت أكثر ممّا كانت الصورة الأصلية. وهذه اللحظة الصغيرة تحمل سؤالًا كبيرًا: متى تعلّمنا أن «نحن الحقيقيين» أقلّ قبولًا من نسخةٍ مصقولة صنعها خوارزم؟

وهذا ليس سؤالًا جديدًا كليًّا؛ فمنذ قرون رسم الفنانون لوحاتٍ عن «الغرور»، امرأةً تنظر في مرآة، ورمزوا بها إلى هشاشة الجمال الجسدي وزواله. لكنّ الفرق اليوم أن المرآة لم تعد تعكس، بل تصنع: تصنع وجهًا لم يوجد قط، ثم تُقنعنا أن هذا الوجه المصنوع هو الحقيقي، وأن وجهنا الفعلي هو النسخة الأقل. وهذا الانقلاب — أن يصير الأصل تقليدًا والتقليد أصلًا — هو ما يجعل جيلًا كاملًا يشعر بعدم الرضا عن جسدٍ لم يتغيّر شيء فيه سوى الصورة التي يراه بها.

حين يصير الجسد مشروعًا لا بيتًا

وهنا يفيدنا أن نستدعي كارل يونغ مجددًا: فقد لاحظ أن النفس، حين تخاف من نقصٍ لا تعرف اسمه، تُسقطه على أقرب شيءٍ ملموس إليها — وغالبًا ما يكون الجسد، لأنه الأسهل قياسًا والأسهل «إصلاحًا» في الظاهر. فبدل أن نسأل: ما الذي يجعلني قلقًا حقًّا؟ نسأل: أيّ جزءٍ من جسدي يجب أن يتغيّر؟ والجسد يتحوّل من بيتٍ نسكنه بامتنان إلى مشروعٍ لا ينتهي، نُصلح فيه شيئًا فيظهر نقصٌ آخر، تمامًا كما يظهر جدارٌ جديد يحتاج طلاءً كلما رمّمنا جدارًا قديمًا.

جمال المرأة يحتاج أن يتجاهل انعكاسه في عيني حبيبها، لأنه قد يعجب به، ويسعى إليه في نظرة إلهٍ للجمال لا يراها فيه كاملة أبدًا.نعومي وولف، أسطورة الجمال

وما تصفه وولف هنا هو بالضبط تلك المعيارية المستحيلة: مقياسٌ خارجي متغيّر لا يكتمل أمامه أحد، فكلما اقتربت المرأة — أو الرجل أيضًا في زمننا هذا — من صورةٍ معينة، تحرّك المقياس قليلًا إلى الأمام. وهذا يشبه إلى حدٍّ بعيد ما رأيناه في مقالنا عن الطمع: أنّ «الكفاية» تبتعد كلما اقتربنا منها، لأنها لم تكن أصلًا نقطةً ثابتة، بل سرابًا يتحرك بقدر حركتنا نحوه.

مرآة برونزية صينية منقوشة بآلهة ومخلوقات أسطورية، من القرن الثاني الميلادي
«مرآة منقوشة بآلهة ومخلوقات أسطورية»، الصين، أواخر القرن الثاني — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ولاحظ أن المرايا القديمة، كهذه المرآة البرونزية، لم تكن تعكس صورةً واضحة حادّة كما تفعل مراياتنا اليوم؛ كانت معتمة، تعطي انطباعًا لا نسخة طبق الأصل. وربما في تلك العتامة رحمةٌ فقدناها: مسافة صغيرة بين الجسد وصورته تسمح للنفس أن تتنفّس، ألّا ترى نفسها بدقة مجهرية تكشف كل ما نظنّه عيبًا. أما اليوم، فصارت الشاشة مرآةً لا تكلّ، تعرض الوجه من كل زاوية، بإضاءةٍ لا ترحم، طوال اليوم.

ويجدر أن نلاحظ أن هذا القلق ليس محصورًا بجنسٍ دون آخر، وإن اختلفت تفاصيله؛ فكما تُقارن كثيراتٌ أجسادهنّ بصورٍ معدَّلة، يقارن كثيرٌ من الشباب أجسادهم بمعايير عضليةٍ بالغة الصرامة انتشرت هي الأخرى عبر الشاشات. والقاسم المشترك في الحالتين واحد: مرآةٌ خارجية استبدلت مرآةً داخلية كانت يومًا تكفي، مرآةٌ يملكها كل إنسانٍ فطريًّا حين يشعر بجسده من الداخل — بالحركة، والدفء، والتعب الطيب بعد مجهود — لا حين يراه من الخارج بعين ناقدة لا تهدأ أبدًا.

ما يعلّمنا إياه الاعتدال هنا

وليست المسألة أن نكره أجسادنا أو نُهمل رعايتها؛ فالاعتدال، كما تعلّمنا الحكمة القديمة، ليس إنكارًا للجسد بل توازنًا في العلاقة معه: نعتني به لأنه بيتنا الوحيد في هذه الحياة، لا لأنه مشروعٌ يجب أن يُرضي عينًا غريبة. والغزالي نفسه، حين تحدّث عن رياضة النفس، لم يدعُ إلى إهمال البدن أو تعذيبه، بل إلى وضعه في مكانه الصحيح: خادمًا للروح، لا سيّدًا يُملي عليها قلقها كل صباح أمام المرآة.

وربما أوّل خطوةٍ نحو السلام مع هذا كله أن نتذكّر أن الصورة التي نراها على الشاشة، مهما بدت واقعية، هي حكايةٌ اختارها أحدهم أن يرويها بضوءٍ وزاويةٍ وتعديل، لا الحقيقة كاملة. وأن الوجه الذي ننظر إليه في المرآة كل صباح — بتجاعيده وندوبه ونقصه الذي نظنّه — هو نفسه الوجه الذي ابتسم وبكى وأحبّ وعاش، وهذا وحده يكفيه شرفًا لا يحتاج فلترًا يمنحه إياه. ومن تصالح مع هذا الوجه كما هو، وجد أن الجسد، حين نكفّ عن مطاردة صورةٍ له لا وجود لها، يصير أخيرًا مكانًا يمكن أن نرتاح فيه، لا ساحة معركةٍ نخوضها كل يوم أمام مرآة.