
في كتابها «حياة الكتابة» (1989)، كتبت الأديبة الأمريكية آني ديلارد جملةً واحدة تكفي لتغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى يومنا: «كيف نُمضي أيامنا هو، بالطبع، كيف نُمضي حياتنا». جملةٌ بسيطة في ظاهرها، لكنها تهدم وهمًا نعيش عليه جميعًا: أننا نؤجّل الحياة الحقيقية إلى الغد، أو إلى حين ننجز مشروعًا كبيرًا، أو نصل إلى مرحلةٍ ما، بينما الحياة كلها — في الحقيقة — لا تحدث إلا في هذا اليوم بالذات، بتفاصيله الصغيرة التي نمرّ بها دون أن ننتبه.
كيف نُمضي أيامنا هو، بالطبع، كيف نُمضي حياتنا.آني ديلارد، حياة الكتابة، 1989
وديلارد لم تصل إلى هذه الفكرة من كتابٍ آخر، بل من تجربةٍ عاشتها بنفسها: عامٌ كامل قضته تراقب جدول «تينكر كريك» الصغير قرب بيتها في وادي فيرجينيا، تدوّن ما تراه من حشراتٍ وضوءٍ وحيواناتٍ صغيرة، حتى صار الكتاب الذي خرج من تلك المراقبة — «حاجّةٌ عند جدول تينكر كريك» — واحدًا من أهم كتب التأمل في الطبيعة في القرن العشرين. لم تكن تبحث عن حدثٍ كبير؛ كانت تبحث عمّا يحدث فعلًا حين ننتبه بما يكفي.
الإرادة التي تبدأ من الانتباه
وهنا يلتقي درس ديلارد بما تحدّثنا عنه في مقال الإرادة: أن الهمّة الكبيرة لا تُبنى من قراراتٍ ضخمة نتّخذها مرّة واحدة، بل من انتباهٍ يوميٍّ متكرّر لما نفعله بساعاتنا الصغيرة. فحين نقول إننا نريد حياةً ذات معنى، لكننا نُمضي أيامنا في تشتّتٍ لا ننتبه له، فإننا في الحقيقة نبني تلك الحياة التي لا نريدها، قطعةً قطعة، دون أن نقصد. وهذا صدى لما يقوله كارل يونغ عن الفردنة: أنها ليست حدثًا نبلغه يومًا، بل مسارًا يتكوّن من كل اختيارٍ صغير نتّخذه كل يوم، سواء انتبهنا له أم لا.

وفي كتابها الآخر، «حاجّةٌ عند جدول تينكر كريك»، تكتب ديلارد جملةً لا تقلّ عمقًا: «لم أرَ قط حيوانًا بريًّا يشفق على نفسه». وهي ملاحظة قاسية في ظاهرها، لكنها تحمل رحمةً حقيقية: فالحيوان لا يُمضي طاقته في التذمّر من يومه، بل يعيشه كما هو، لأنه لا يملك ترف الشرود عنه. ونحن، بامتلاكنا وعيًا يمكن أن يهرب من اللحظة الحاضرة، نملك أيضًا القدرة على أن نُضيّع أيامنا كلها في القلق من يومٍ لم يأتِ بعد، أو الأسف على يومٍ مضى، بينما اليوم الوحيد الذي نملكه فعلًا يمرّ أمامنا دون أن نراه.
وهذا يقودنا إلى ما يشترك فيه هذا الدرس مع ما كتبه ماركوس أوريليوس عن الصباح: فكلاهما يذكّرنا بأن الإرادة الحقيقية ليست طاقةً استثنائية نستدعيها في اللحظات الكبرى، بل انتباهًا هادئًا نمارسه في اللحظات العادية — حين ننهض، وحين نعمل، وحين نلاحظ الضوء يتغيّر على الجدار أمامنا. الفرق بين حياةٍ عاشها صاحبها بكامل وعيه وحياةٍ مرّت دون أن يلحظها أحد، ليس فرقًا في طول العمر، بل في عدد اللحظات التي انتُبِه لها فعلًا.
جدولٌ صغير يكفي
ولعلّ أجمل ما في تجربة ديلارد أنها لم تحتَج جبلًا ولا محيطًا لتكتشف كل هذا؛ جدولٌ صغيرٌ خلف البيت كان كافيًا، حين نظرت إليه بما يكفي من الوقت والصبر. وهذا درسٌ نحتاجه نحن أيضًا: أن العظمة التي نبحث عنها بعيدًا موجودةٌ غالبًا في التفاصيل الصغيرة التي نمرّ أمامها كل يوم دون أن نتوقف. لسنا بحاجة لتغيير حياتنا بالكامل لنعيش بمعنى؛ نحتاج فقط أن ننتبه أكثر لليوم الذي أمامنا، لأن هذا اليوم — كما تذكّرنا ديلارد — هو حياتنا بأكملها، مكثّفةً في أربعٍ وعشرين ساعة.
شِباكٌ نصطاد بها أيامنا

لكن الانتباه وحده لا يكفي إن لم يقترن بشيءٍ من النظام؛ فديلارد نفسها كانت تعرف أن العين المتيقّظة تحتاج إطارًا يحفظ ثمارها من الضياع، ولهذا كتبت في الكتاب نفسه ملاحظةً عملية أكثر عن كيفية حماية أيامنا من التشتّت:
الجدول الزمني يحمينا من الفوضى والنزوة… إنه شِباكٌ نصطاد به أيامنا.آني ديلارد، حياة الكتابة، 1989
وهذه الصورة الصغيرة — دراسة نباتٍ وحشرة، رُسمت بعينٍ صبورة لم تستعجل التفاصيل — تجسّد ما تقصده ديلارد بالضبط: فالفنان هنا لم يلتقط منظرًا كبيرًا مبهرًا، بل جلس أمام ما هو صغيرٌ وقريب، ومنحه من وقته ما يكفي ليظهر جماله. وهذا هو الجدول الزمني الذي تتحدث عنه: ليس قيدًا يخنق العفوية، بل شِباكٌ نمدّه كل صباح لنصطاد به اللحظات التي كانت ستفلت منا لو تُركنا لنزواتنا وحدها.
وحين نبدأ ننظر إلى أيامنا بهذه العين، يتغيّر شيءٌ هادئ في داخلنا: لم تعد الإرادة عبئًا نحمله كرهًا، بل امتنانًا صغيرًا يتجدّد كل صباح لأننا نملك يومًا آخر ننتبه فيه. وربما هذا كل ما تطلبه الحياة منّا فعلًا: ألّا ننتظر يومًا استثنائيًّا لنعيشه بكامل حضورنا، بل أن نمنح هذا اليوم العادي، بجدوله الصغير وضوئه العابر، الانتباه الذي يستحقّه.

