لوحة توقف قافلة عند آبار سبأ في الصحراء جنوب الخليل لشارل دو كوبرتان، جمال وأشخاص يستريحون عند بئر ماء
شارل دو كوبرتان، «توقّف قوافل عند آبار سبأ، جنوب الخليل»، 1850 — قافلةٌ تستريح نهارًا لتُكمل سيرها ليلًا — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في الصحراء، لا تسافر القوافل نهارًا فقط؛ فحين تشتدّ الشمس، تستريح الجمال في ظلٍّ نادر، وتتحرّك القافلة في الليل، تهتدي بالنجوم لا بطريقٍ لا يُرى في الظلام. ومن ينام الليل كله، طلبًا للراحة أو خوفًا من العتمة، يستيقظ فجرًا ليجد القافلة قد سبقته بمراحل لا يُدركها أبدًا. هذه الصورة البسيطة استعارها الفقيه والمتصوّف ابن قيّم الجوزية ليصف الصبر كله، في جملةٍ لم تفارق كتب الحكمة العربية منذ ثمانية قرون.

محمد بن أبي بكر بن قيّم الجوزية (1292–1350م)، المعروف بابن القيم، تتلمذ على يد شيخه ابن تيمية، ورافقه في محنته وسجنه، وذاق من الألم والانتظار ما جعله لا يكتب عن الصبر كمفهومٍ نظري، بل كتجربةٍ عاشها بجسده قبل قلمه. وفي كتابه «مدارج السالكين»، يضع الصورة التي تحمل هذا المقال كله:

إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادّة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كلّه، فمتى يصل إلى مقصده؟ابن القيم الجوزية · مدارج السالكين

الطريق لا تُقاس بالضوء

وأول ما تكسره هذه الصورة هو وهمٌ شائع عن الصبر: أننا نظنّه انتظارًا نشعر فيه بالسكينة والوضوح، وكأن الصابر الحقيقي لا يتعب ولا يتعثّر. لكن ابن القيم لا يتحدّث عن مسافرٍ يرى طريقه بوضوح؛ يتحدّث عن مسافرٍ يسير في الظلام تمامًا، لا يرى خطوته التالية، ومع ذلك يستمر. الصبر عنده ليس شعورًا بالراحة أثناء الانتظار، بل قرارًا بمواصلة السير رغم غياب كل ضوءٍ يطمئننا. وهذا صدىً لما رأيناه في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة: أن الاستمرار الصغير المتكرر، لا القرار الحاسم لمرّة واحدة، هو ما يوصلنا فعلًا، سواء أضاءت الطريق أم لم تُضئ.

وعاء خزفي بريق معدني مزيّن برسوم أربعة جمال، فن إسلامي من القرن العاشر
«وعاءٌ ببريقٍ معدني، برسم أربعة جمال»، القرن العاشر — رفقة الطريق نفسها التي لا تتوقف بتوقّف الضوء — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ونستعير هنا من كارل يونغ فكرةً تضيء هذا الظلام نفسه بمعنى آخر: أن أعمق تحوّلات النفس تحدث غالبًا في العتمة، بعيدًا عن نظرنا الواعي، تمامًا كما رأينا في مقال الظلّ الذي ننكره. فالنفس، مثل المسافر ليلًا، تشتغل حتى حين لا نرى نتيجة عملها؛ ومن يحكم على مسيرته الداخلية بمقدار ما يراه من ضوءٍ في لحظته، يُخطئ الحكم على نفسه، لأن أهمّ ما يحدث بداخلنا نادرًا ما يُعلن عن نفسه فورًا.

حين يكون السجن نفسه طريقًا

ولم تكن هذه الحكمة عند ابن القيم كلامًا مجرّدًا؛ فقد عاش شطرًا من حياته سجينًا بسبب مواقفه الفقهية، دون أن يعرف متى سينتهي حبسه، ومع ذلك واصل الكتابة والتأمل والتعلّم داخل زنزانته، كأنه ما زال يسير في طريقه رغم أن الجدران أحاطت به من كل جانب. وهذا يشبه ما رأيناه في مقال حديقةٌ خلف الأسوار عن نيلسون مانديلا، الذي زرع حديقته فوق سطح سجنه دون أن يعرف يوم خروجه؛ فكلاهما وجد في أضيق الأماكن طريقًا لم يتوقّف عن السير فيه، لأن السير عندهما لم يكن يومًا رهينة الظروف المحيطة، بل قرارًا داخليًّا متجدّدًا كل يوم.

صفحة من كتاب صور الكواكب الثابتة للصوفي، مخطوطة إسلامية توضّح رسمًا فلكيًا لتجمّع نجوم بالحبر والذهب
عبد الرحمن الصوفي، «كتاب صور الكواكب الثابتة»، أواخر القرن الخامس عشر — النجوم نفسها التي يهتدي بها من يسير حين لا يرى الطريق — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي موضعٍ آخر من كتاباته، يذهب ابن القيم أبعد من صورة السفر، ليضع قاعدةً عامة عن ثمن كل ما يستحق أن يُطلب في الحياة:

لا فرحة لمن لا همّ له، ولا لذّة لمن لا صبر له.ابن القيم الجوزية · مفتاح دار السعادة

وهذه الجملة تقلب فهمًا شائعًا رأسًا على عقب: أننا نبحث عن حياةٍ بلا همّ وبلا مشقّة، ظنًّا أن هذا هو طريق الفرح. لكن ابن القيم يرى العكس: من لا يحمل همًّا لا يعرف طعم الفرح حين يزول همّه، ومن لم يصبر لا يعرف طعم اللذّة حين تأتي أخيرًا. الصبر إذن ليس ضريبةً نؤدّيها مكرهين في طريق الفرح، بل هو ما يمنح الفرح نفسه معناه وثقله حين يصل. وهذا قريبٌ مما رآه ابن عطاء الله في مقال الرضا بما لا يُغيَّر: أن تأخّر ما ننتظره ليس علامة خذلان، بل جزءًا من التوقيت الذي يمنح الأشياء قيمتها الحقيقية حين تأتي أخيرًا.

مات ابن القيم في دمشق عام 1350، بعد عمرٍ حمل فيه من المشقّة أكثر مما حمل من الراحة، ومع ذلك ترك لنا صورةً تبقى صالحة كلما طال ليلٌ في حياتنا لا نعرف متى ينتهي: أننا لسنا مطالَبين أن نرى الطريق كاملة أمامنا، بل فقط أن نُكمل الخطوة التالية، ثقةً بأن من يسير ولو في الظلام، أقرب إلى مقصده ممّن نام انتظارًا لضوءٍ قد لا يأتي في وقته الذي نريد.

ولهذا الصبر نفسه وجهٌ آخر رأيناه اليوم من زاويةٍ مختلفة تمامًا: كيف يتحوّل الغضب، حين نحفظه بدل أن نكبته أو نُطلقه، إلى القوة الهادئة نفسها التي تحمل المسافر خطوته التالية. تجد تلك الرحلة في مقال الحرارة التي لا نُطفئها. ومحطتنا القادمة، حين يصير هذا الصبر عزيمةً تتكرّر كل صباح ولا تنطفئ، تنتظر في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة.