
حين نُقل نيلسون مانديلا إلى سجن بولسمور في أواخر سنوات اعتقاله، بعد سنواتٍ طويلة في زنزانة روبن آيلاند الحجرية، طلب شيئًا بسيطًا: قطعة أرضٍ صغيرة على سطح السجن ليزرعها. حصل على إذنه، وبدأ يزرع طماطمًا وفلفلًا وباذنجانًا، يرعاها كل صباح بيدين اعتادتا الأصفاد قبل أن تعتادا التراب. لم يكن ذلك ترفًا؛ كان، كما كتب لاحقًا، أقرب شيءٍ يملكه إلى الحرية.
حديقةٌ في أضيق الأماكن
وفي سيرته الذاتية، لا يصف مانديلا تلك الحديقة كتفصيلٍ عابر، بل كصورةٍ لكل ما تعلّمه عن القيادة والانتظار معًا:
رأيتُ في الحديقة، بطريقةٍ ما، صورةً لجوانب من حياتي. فالقائد أيضًا يرعى حديقته؛ هو أيضًا يزرع البذور، ثم يراقب، ويرعى، ويحصد النتائج.نيلسون مانديلا · «الطريق الطويل إلى الحرية»، 1994
وهذا هو صبرٌ من نوعٍ مختلف عن الانتظار السلبي: لا يعني أن نجلس ونترقب مرور الزمن، بل أن نستمر في الفعل الصغير اليومي، رغم أننا لا نملك سيطرة على متى تنتهي الأزمة الكبرى. زرع مانديلا حديقته دون أن يعرف إن كان سيخرج من السجن حيًّا، ودون أن يعرف متى. لكنه لم يجعل هذا الغموض سببًا للتوقف عن رعاية ما بين يديه.

ولعلّ هذا ما يجعل الصبر، حين نفهمه بعمق، أقرب إلى الثقة منه إلى الاستسلام. وكما رأينا مع البذرة التي لا تُستعجل في مقالنا البذرة لا تُستعجل، فإن من يزرع لا يملك أن يُسرّع نمو ما زرعه؛ كل ما يملكه هو أن يواظب على الرعاية، ويترك الفصول تفعل ما لا يقدر هو عليه. وهذا بالضبط ما فعله مانديلا: لم يكن يملك تاريخ خروجه من السجن، لكنه ملك قراره أن يزرع، كل صباح، رغم كل شيء.
تلٌّ بعد تل، ولا نهاية للطريق
وحين خرج مانديلا أخيرًا بعد سبعةٍ وعشرين عامًا، لم يكتب أن الانتظار قد انتهى. كتب، في آخر صفحات سيرته، شيئًا أكثر صدقًا من ذلك:
اكتشفتُ السرّ أن تسلّق تلٍّ عظيم لا يكشف إلا عن تلالٍ أخرى كثيرة ينبغي تسلّقها. سمحتُ لنفسي بلحظةٍ هنا لأستريح، ولأسرق نظرةً إلى المشهد الرائع من حولي، ولأنظر إلى الطريق الذي قطعته. لكن لا يمكنني إلا أن أستريح للحظة، لأن مع الحرية تأتي مسؤوليات، ولا أجرؤ أن أُبطئ، فطريقي الطويل لم ينتهِ بعد.نيلسون مانديلا · خاتمة «الطريق الطويل إلى الحرية»، 1994
وهذا يعيد تعريف الصبر من أساسه: ليس محطة نصل إليها فتنتهي الحاجة إليه، بل موقفٌ من الحياة نفسها. فحتى بعد أن تحقق ما انتظرناه طويلًا، يبقى أمامنا تلٌّ آخر، ومهمةٌ أخرى، وحاجةٌ أخرى لتلك الثقة الهادئة بأن الأمور تنضج في وقتها، لا في وقتنا. وكما لمسنا هذا المعنى نفسه مع إبكتيتوس في مقال دائرة السكينة، فإن السكينة الحقيقية لا تأتي من انتهاء الظروف الصعبة، بل من أن نتعلّم كيف نتحرك بثقة داخلها.

وهذا الصبر، حين نتأمله جيدًا، له بُعدٌ داخلي أيضًا لا يقلّ أهمية عن بُعده الخارجي. فما كان مانديلا يرعاه في تلك الحديقة الصغيرة لم يكن الطماطم وحدها، بل جزءًا من نفسه كان يمكن أن يذبل تحت وطأة الغضب والمرارة، لو سمح لهما بالسيطرة. وكما تعلّمنا من كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن أصعب ما يواجهه من ظُلم هو ألّا يدع الظلم يحوّله إلى صورة مطابقة لمن ظلمه؛ والصبر، في جوهره، هو تلك المساحة الداخلية التي تسمح لنا أن ننمو رغم الجرح، لا أن نتجمّد عنده.
ما نزرعه اليوم لا نحصده اليوم
وحين نفكر في حديقة مانديلا الصغيرة فوق سطح سجنٍ لم يكن يعرف متى سيغادره، يصعب ألّا نرى فيها مثالًا لكل صبرٍ حقيقي: أنه لا ينتظر ضمانة، ولا يشترط رؤية النتيجة، بل يواظب على الفعل الصغير الأمين، ويثق بأن شيئًا ما ينمو، حتى حين لا نراه. وهذا، في النهاية، أصدق تعريفٍ للأمل: ليس أن نعرف متى تُثمر الأشياء، بل أن نستمر في ريّها رغم أننا لا نعرف.
وللإرادة التي تحمل هذا الصبر يومًا بعد يوم، محطّةٌ قادمة في رحلتنا، حين نتعلّم أن الاستمرار الصغير، لا الاندفاع الكبير، هو ما يصنع الأثر الحقيقي؛ تجد هذه الزاوية في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة. وللغضب الذي يحتاج المسافة نفسها ليهدأ قبل أن يتصرف، محطّةٌ سابقة في هذه الرحلة نفسها، في مقال رسالةٌ كُتبت ولم تُرسَل.

