نقش لأوغسطينو فينيزيانو يصور ورشة فنان ليلًا على ضوء الشموع، حيث ينكبّ تلاميذ على الرسم بهدوء وتركيز
أوغسطينو فينيزيانو، «باتشيو بانديينيلي في ورشته»، 1531 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في تموز 1863، بعد أيامٍ من أعظم انتصارات الجيش الذي يقوده، جلس الرئيس أبراهام لينكولن ليكتب رسالة غضبٍ إلى أحد جنرالاته. جيش الجنوب، المنهك والمحاصر، كان بين يدي الجنرال جورج ميد على وشك أن يُقضى عليه نهائيًا وتنتهي الحرب. لكن ميد تردد، وأتاح للعدو أن يفلت. وحين وصل الخبر إلى لينكولن، كان غضبه أعمق من أن يُكتم. فجلس وكتب.

الرسالة التي انتظرت غضبها أن يبرد

كتب لينكولن لميد رسالةً لا تُجامل: يخبره فيها أن فرصةً ذهبية أفلتت من يده، وأن الحرب كان يمكن أن تنتهي في تلك اللحظة بالذات لولا تردده. جاء فيها:

لا أظنّك تُدرك حجم الكارثة التي جلبها إفلات لي. كان في متناول يدك، وإطباقك عليه، مع انتصاراتنا الأخيرة، كان سينهي الحرب. فرصتك الذهبية ضاعت، وأنا في ضيقٍ لا يوصف بسبب ذلك.أبراهام لينكولن · رسالة إلى الجنرال جورج ميد، 14 يوليو 1863

وهنا يبدأ ما يجعل هذه القصة تستحق أن تُروى: لينكولن لم يُرسل تلك الرسالة قط. طواها، وكتب على ظرفها بخط يده: «لم تُرسل، ولم تُوقّع». وبقيت بين أوراقه الخاصة حتى وُجدت بعد وفاته. لم يعرف الجنرال ميد أبدًا أن رئيسه كتب له كل هذا الغضب، لأن لينكولن، ببساطة، لم يمنحه فرصة أن يقرأه.

محبرة مزخرزة بميداليات دائرية تمثل بروج الفلك، من الفن الإسلامي، تجسّد أداة الكتابة التي تسبق كل رسالة
«محبرة بميداليات الأبراج الاثني عشر»، أواخر القرن الثاني عشر–أوائل الثالث عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذا لم يكن استثناءً في حياة لينكولن، بل عادة. كان يسمّي هذه الرسائل «رسائل ساخنة»: يفرغ فيها كل ما يجيش في صدره من غضب، بأقسى الكلمات وأحدّ التوصيفات، ثم يضعها جانبًا حتى تبرد مشاعره. يروي مؤرخه كارل ساندبرغ أن لينكولن كان قادرًا على أن يكتب رسالة غاضبة، بأسماء قاسية وألفاظ نارية، ثم يرميها في الموقد. لم يكن يكتم غضبه، بل كان يمنحه مكانًا آمنًا يُقال فيه كل شيء، دون أن يصل أذاه إلى أحد.

لا وقت عند من يريد أن يكون أفضل ما يمكن

وفي مكانٍ آخر من كتاباته، ترك لينكولن ما يشبه تفسيرًا لهذه العادة، حين نصح ضابطًا شابًا اختصم مع زميلٍ له:

لا تتخاصم إطلاقًا. لا وقت عند من عزم أن يكون أفضل ما يمكن أن يكونه ليضيّعه في خصامٍ شخصي. وأقلّ من ذلك يملك وقتًا لتحمّل نتائجه، ومنها فسادُ مزاجه وفقدان سيطرته على نفسه.أبراهام لينكولن · من أوراقه، نحو 1850، توثيق نيكولاي وهاي

وهذا هو جوهر ما فعله مع رسالة ميد: لم ينكر غضبه، ولم يدّعِ أنه فوقه. لكنه أدرك أن التعبير عن الغضب وإطلاقه على الآخر أمران مختلفان تمامًا. الأول يحتاجه كل قلبٍ حيّ؛ الثاني وحده ما يُحرق العلاقات ويُضيّع الفرص. وكما تعرّفنا على هذا الفرق مع الفيلسوف الروماني سينكا في مقال فنّ ألّا تُشعل النار، فإن الغضب طاقة، لا عيب؛ والمهارة كلها في أن نوجّهها لا أن نكبتها ولا أن نُطلقها على من لا يستحق أذاها.

لوحة قصر ميلكه في ضوء القمر لكارل غوستاف كاروس، منظر ليلي هادئ لقلعة أوروبية تحت سماء صافية بعد أن يهدأ كل شيء
كارل غوستاف كاروس، «قصر ميلكه في ضوء القمر»، نحو 1833–1835 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذا شيءٌ يشبه ما تعلّمناه من كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن ما نرفض الاعتراف به في أنفسنا لا يختفي، بل يخرج منّا بطرقٍ أعنف وأقلّ وعيًا. ورسالة لينكولن الساخنة لم تكن إنكارًا لغضبه ولا كبتًا له؛ كانت اعترافًا كاملًا به، لكن في مكانٍ آمن، حيث يمكن للظلّ أن يتكلم دون أن يؤذي أحدًا. وهذا بالذات ما يجعل العادة حكيمة: أنها لا تطلب منّا أن نتظاهر بالهدوء الذي لا نشعر به، بل أن نمنح غضبنا مساحة وزمنًا، قبل أن نقرر ماذا نفعل به.

غضبٌ يُكتب لا لِيُرسَل، بل لِيُفهَم

ولعلّ أجمل ما في هذه القصة أن لينكولن احتفظ بتلك الرسائل. لم يمزّقها ولم يحرقها دائمًا؛ بعضها بقي في أوراقه، شاهدًا على لحظةٍ شعر فيها بما شعر، دون أن يسمح لتلك اللحظة أن تقرر مصير أحد. وهذا فرقٌ دقيق يستحق التأمل: أن نكتب غضبنا لنفهمه، لا لِنُلقيه على الآخر. فحين نمهل أنفسنا تلك المسافة الصغيرة، بين أن نشعر وأن نتصرف، غالبًا ما نكتشف أن الرسالة التي بدت ضرورية بالأمس، لم تعد كذلك حين تشرق الشمس.

وللإرادة التي تُبقينا أوفياء لهذا الهدوء رغم استفزازات الأيام، محطّةٌ قادمة في رحلتنا، حين نتعلّم أن الكسل أحيانًا ليس غياب طاقة، بل خوفًا يتنكّر في زيّ التعب؛ تجد هذه الزاوية في مقال الصباح الذي لا يأتي وحده. وللصبر الذي يشبه هذا الهدوء تمامًا، حين نتعلّم أن ننتظر دون أن نطفئ ما بداخلنا، محطّةٌ في الرحلة نفسها، في مقال حديقةٌ خلف الأسوار.