تخيّل رجلًا يمسك بحبلٍ يظنّ أنه يشدّ به سفينةً كبيرة في عرض بحر، بينما السفينة تسير بمحرّكها الخاص ولا شأن لحبله بها. هذا، كما يراه ابن عطاء الله السكندري، حال أكثرنا مع أقداره: نمسك حبلًا وهميًّا اسمه «التدبير»، ونظنّ أن العالم يسير بشدّنا له، فنتعب أياما وليالي في شدّ حبلٍ لا صلة له بالسفينة أصلًا. وابن عطاء الله، أحد أعمدة الطريقة الشاذلية في القرن الثالث عشر، كتب كتابًا كاملًا في هذا المعنى سمّاه «التنوير في إسقاط التدبير» — أي في التخلّي عن وهم أننا من يُدبّر كل شيء.
وأشهر ما تركه من حكمٍ صغيرة، جملةٌ لا تُنسى: أرِح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك. وقد تبدو هذه الجملة، لأول وهلة، دعوةً إلى الكسل أو الاستسلام. لكنها في جوهرها أدقّ من ذلك بكثير: إنها تفريقٌ بين نوعين من الجهد — جهدٌ نبذله في الفعل الذي نُطالَب به، وجهدٌ آخر نبذله في القلق على نتيجةٍ لم تكن يومًا بيدنا. والحكمة أن نبذل الأول بكل ما نملك، ونتوقف عن استنزاف الثاني.
حين يصير القلق عبادةً خفية
ولعلّ أدقّ ما في فكر ابن عطاء الله أنه يكشف كيف يتسلّل التدبير إلى قلوبنا متنكّرًا في زيّ الحرص والمسؤولية. نظنّ أننا نهتمّ بمستقبلنا حين نُمضي الليل نُقلّب احتمالاته، بينما نحن في الحقيقة نمارس نوعًا خفيًّا من الشرك — أن نضع أنفسنا مكان الذي يُدبّر الكون، ونتعب في وظيفةٍ لم تُطلب منا. وهنا يلتقي هذا الحكيم الصوفيّ بما وصل إليه كارل يونغ في القرن العشرين من طريقٍ مختلف تمامًا: فقد رأى يونغ أن أكثر قلقنا ليس خوفًا من المستقبل بذاته، بل رفضًا لجزءٍ فينا يعرف أنه ليس متحكّمًا، فنغطّي ذلك الاعتراف المؤلم بضجيج التخطيط الزائد.
أرِح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك.ابن عطاء الله السكندري، الحكم العطائية
وحين نقرأ هذه الحكمة بعين متسامحة، نجد أنها لا تقول: لا تعمل. بل تقول: اعمل، وسلّم نتيجة العمل لمن يملكها فعلًا. الفلاح يحرث ويبذر، لكنه لا يملك أن يأمر السحاب متى يمطر. والأمّ تربّي وتسهر، لكنها لا تملك أن تكتب قدر أبنائها. فحين نخلط بين الفعل الذي نملكه والنتيجة التي لا نملكها، نُحمّل أنفسنا وزرًا مضاعفًا: تعبٌ في العمل، وتعبٌ آخر في انتظار ما لا نملك تعجيله ولا تأخيره.
وفي هذه الحاملة، يتّكئ المصباح على قاعدةٍ لا يصنعها المصباح نفسه، بل صانعٌ آخر أعدّها لتحمله. وهذا مثالٌ صغير لما يقصده ابن عطاء الله: أنّ النور — أي حياتنا وسعينا ونشاطنا — يحتاج قاعدةً يتّكئ عليها لا نصنعها نحن، فتُحمَل حياتنا على شيءٍ أكبر منا حتى حين نظنّ أننا نحملها بأيدينا وحدنا. ومن أدرك أنه محمولٌ لا حامل، ارتاحت كتفاه من ثقلٍ لم يكن مطلوبًا منه أصلًا.
وتحضرني هنا قصةٌ صغيرة يرويها بعض شراح الحكم عن مريدٍ سأل شيخه: كيف أعرف أني تخلّصت من التدبير الزائد؟ فأجابه الشيخ: حين تنام ليلتك دون أن تحلّ مشكلة الغد قبل أن تأتي. فالتدبير الزائد لا يُحلّ المشكلة قبل وقتها، بل يستهلك طاقةً كانت ستحتاجها حين تأتي المشكلة فعلًا. وكم من ليلةٍ أمضيناها نتخيّل سيناريوهاتٍ لم تقع أبدًا، فأنهكنا أنفسنا في معاركَ وهمية، بينما اليوم الحقيقي حين أتى احتاج منا طاقةً لم نعد نملكها لأننا أنفقناها كلها في الليل على شبحٍ لم يكن له وجود.
الفرق بين التسليم والاستسلام
والصوفية يميّزون هنا تمييزًا دقيقًا كثيرًا ما يُهمَل: فالتسليم ليس أن نكفّ عن السعي، بل أن نسعى بلا تشنّج. فالسبّاح الماهر لا يقاوم الماء ولا يستسلم له فيغرق، بل يتحرّك معه بثقةٍ تجعل الماء يحمله. وكذلك من سلّم أمره، لا يترك يده من العمل، لكنه يترك قلبه من التشبّث بشكلٍ بعينه للنتيجة. وهذا فارقٌ حاسم: فالمستسلم يتوقف، والمسلِّم يتحرّك بخفّة، لأن ظهره لم يعد يحمل وزن ما ليس له أن يحمله.
ولمن يسأل: أليس في هذا خطر الإهمال؟ يجيب ابن عطاء الله بحكمةٍ أخرى معناها أن الطلب لا يجلب رزقًا لم يُقسم، ولا تركه يمنع رزقًا قد قُسم — فالسعي واجبٌ، لكنه ليس هو الذي يخلق النتيجة من عدم. وهذا يحرّرنا من عبءٍ مزدوج: أن نظنّ أننا وحدنا صنّاع كل خيرٍ يأتينا، ثم نلوم أنفسنا حين لا يأتي كما أردنا. فالإنسان الحكيم يفعل ما بوسعه بإتقان، ثم يفتح يده — لا ليُسقط ما فيها، بل ليستقبل ما سيأتيه بسلام، سواء جاء على الصورة التي تخيّلها أو على صورةٍ أخرى لم يكن يتوقّعها.
وهذه، في النهاية، دعوةٌ إلى نوعٍ من الحرية لا يعرفها من يحمل العالم كله على كتفيه. فحين نضع كل تدبيرٍ زائد جانبًا، لا نصير أقلّ فاعلية، بل أكثر حضورًا في اللحظة التي بين أيدينا فعلًا — نعمل بكل قلوبنا فيما نملك، ونستريح بكل قلوبنا مما لا نملك، فتصير الحياة أخفّ لا لأن أحمالها قلّت، بل لأننا توقّفنا أخيرًا عن حمل ما لم يكن لنا أصلًا أن نحمله.

