كان عبدًا. سيّده كسر ساقه — تروي إحدى الروايات أنه فعل ذلك عمدًا، وأخرى أنه كان مجرد قسوةٍ عابرة — فبقي إبكتيتوس أعرج بقية حياته. ثم صار حرًّا، ثم صار معلّم فلسفة، ثم صار من أكثر من قرأه ماركوس أوريليوس نفسه، إمبراطور روما. كيف يخرج من قاع العبودية والعاهة رجلٌ يعلّم الأباطرة السكينة؟ الجواب الذي تركه لنا في كتابٍ صغير اسمه «الدليل» بسيطٌ حتى يكاد يكون قاسيًا: ثمة خطٌّ يفصل العالم إلى قسمين، وكل تعاستنا من خلطنا بينهما.
يقول إبكتيتوس في افتتاحية كتابه: بعض الأشياء في وسعنا، وبعضها ليس في وسعنا. في وسعنا رأينا، ونيّتنا، ورغبتنا، ونفورنا — أي كل ما هو فعلٌ من أفعالنا. أما الجسد، والمال، والسمعة، والمنصب، وكل ما ليس فعلًا من أفعالنا، فليس في وسعنا. وقعُ ساقه المكسورة لم يكن في وسعه. لكنّ الطريقة التي يحمل بها تلك الساق المكسورة — هل يحملها بمرارةٍ أم بسلام — كانت الشيء الوحيد الذي بقي له، وكانت كافية.
الخوف من فقدان ما لم نملكه قط
ولعلّ هذا أدقّ وصفٍ لما نسمّيه خوفًا: أننا نضع قلوبنا رهينةً عند أشياء لم تكن لنا يومًا. صحتنا عاريةٌ أمام الزمن، وسمعتنا رهن ألسنة الناس، ومناصبنا تُعطى وتُسحب بقرارٍ لا يد لنا فيه. فإذا عقدنا سلامنا الداخلي على بقاء هذه الأشياء كما هي، نكون قد بنينا بيتًا على رملٍ متحرك، ثم تعجّبنا حين يهتزّ. الحكمة، كما رآها إبكتيتوس، ليست في أن نُحكم قبضتنا على الخارج، بل في أن ننقل القبضة كلّها إلى الداخل، حيث وحده يمكن أن تنجح.
ليس ما يزعج الناس هو الأشياء نفسها، بل الآراء التي يكوّنونها عن تلك الأشياء.إبكتيتوس، الدليل
وهذه الجملة، حين نتأملها، تشبه ما وصل إليه كارل يونغ بعد قرون من طريقٍ مختلف تمامًا. فقد لاحظ يونغ أن ما لا نستطيع أن نتحكّم فيه في الخارج غالبًا ما يكون انعكاسًا لما لم نتصالح معه في الداخل: نغضب من فوضى العالم بقدر ما نخاف من فوضانا نحن، ونقلق من رأي الناس بقدر ما لم نستقرّ بعد على رأينا في أنفسنا. فحين يهدأ الداخل، تفقد أشياء كثيرة في الخارج قدرتها على زلزلتنا — لا لأنها تغيّرت، بل لأننا كففنا عن ربط سكينتنا بها.
ولهذا الفكر جذورٌ أعمق مما نظن في تراثنا نحن أيضًا. فحين تحدّث الغزالي عن «التوكّل» لم يقصد أن يترك الإنسان السعي، بل أن يعمل بيده ويسلّم قلبه؛ يزرع الأرض ولا يُعلّق طمأنينته على المطر. وهذا بالضبط ما يقوله إبكتيتوس بلغةٍ يونانية: اعمل ما تستطيع، ثم اترك الباقي لما لا تملكه. فالفرق بين القلق والصبر ليس في مقدار الجهد المبذول، بل في المكان الذي نضع فيه أمانتنا الأخيرة — هل في النتيجة، أم في الفعل نفسه؟
الحبل الذي شدّه على نفسه
ولإبكتيتوس صورةٌ قد تبدو قاسية لأول وهلة: يشبّه أنفسنا بكلبٍ مربوطٍ بعربة. إن جرى الكلب مع العربة برضًا، مشى بسلام؛ وإن قاومها، جرّته العربة رغم أنفه وتألّم بلا طائل. العربة هنا هي الأقدار — المرض، والفقد، والتأخير، وكل ما يجري بلا استئذاننا. والكلب الحكيم، في نظره، ليس من يوقف العربة، فذلك ليس في وسعه، بل من يتعلّم أن يجري معها بدل أن يُجرَّ خلفها.
وقد يسأل سائل: أليس هذا استسلامًا؟ لكنّ الفرق دقيقٌ ومهم. فالاستسلام أن نكفّ عن الفعل، أما توكّل إبكتيتوس فهو أن نفعل بكل ما أوتينا، ثم لا نُحمّل أنفسنا وزر ما لا نملك تغييره. فالطبيب يعالج ما في وسعه ويسلّم النتيجة لما ليس في وسعه؛ والفلاح يزرع ويسقي، ثم يترك المطر لسمائه. وهذا هو الفرق بين من يتعب مرّتين — مرّةً في العمل ومرّةً في القلق على ثمرته — ومن يتعب مرّةً واحدة ويستريح.
وهذا الوعاء الفارغ في الصورة يقول شيئًا لا يقوله الامتلاء أبدًا: أن اليد التي لا تتشبّث بشيء هي اليد الأقدر على أن تحمل أيّ شيء يأتيها بسلام. الدرويش الذي يحمل وعاءً فارغًا في يده ليس فقيرًا بالضرورة؛ فربما يكون قد أدرك ما أدركه إبكتيتوس: أن التعلّق هو ما يصنع الفقر الحقيقي، لا قلّة اليد. فمن ربط قلبه بامتلاء وعائه عاش قلقًا كل يوم لا يمتلئ فيه؛ ومن ربط قلبه بقبول ما يُملأ به وما لا يُملأ، عاش حرًّا في الحالين.
ولإبكتيتوس تمرينٌ يومي بسيط كان يوصي به تلاميذه: أن نسأل أنفسنا عند كل انزعاج، بهدوء، سؤالًا واحدًا: هل هذا الأمر في وسعي؟ فإن كان الجواب نعم، نفعل ما نستطيع فورًا دون تسويف؛ وإن كان الجواب لا، نتوقف عن الجدال معه في رؤوسنا، لأن الجدال نفسه استنزافٌ لطاقةٍ كان يمكن أن تُصرف في المكان الذي تنفع فيه فعلًا. وهذا التمرين، رغم بساطته الظاهرة، يحتاج ممارسةً طويلة، لأن عقولنا اعتادت أن تخلط الاثنين معًا حتى تخيّل لنا أن القلق نوعٌ من الفعل، بينما هو غالبًا مجرد فعلٍ مقلّد لا يغيّر شيئًا في العالم الخارجي، ويستنزف فقط ما تبقّى من سلامنا الداخلي.
سكينةٌ لا تُشترى ولا تُمنح
وأجمل ما في هذا الدرس أنه لا يطلب منا ظروفًا مثالية لنبدأ به. لم يكن إبكتيتوس حرًّا حين تعلّمه، ولا سليم الجسد، ولا آمنًا في مستقبله. تعلّمه وهو عبدٌ أعرج، فحمله معه إلى حرّيته. وهذا وحده يكفي دليلًا على أن السكينة ليست هبةً تأتي من تحسّن الظروف، بل مهارةً نصقلها بصرف النظر عن الظروف. فمن انتظر أن يهدأ العالم ليهدأ هو، سينتظر إلى الأبد؛ ومن قرّر أن يرسم دائرته الصغيرة اليوم — هذا ما أملك، وهذا ما أفعل به — يجد أن الدائرة، مهما صغُرت، تتّسع كل يوم يسكن فيها بسلام. وربما هذا أصدق معنى للحرية: ألّا تنتظر أن يُعطى لك العالم كما تريد، بل أن تكتشف أن يدًا واحدة هادئة تكفي لتحمل عالمًا كاملًا.

