دراسة مائية للماء والنباتات، توماس فيرنلي، 1837
توماس فيرنلي، «دراسة للماء والنباتات»، 1837 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في مقابلةٍ تلفزيونية عام 1971، سُئل بروس لي عن أسلوبه في القتال، فجاء جوابه أقرب إلى قصيدةٍ منه إلى درسٍ رياضي: «أفرغ ذهنك، كن بلا شكل، بلا هيئة، كالماء. إن وضعت الماء في كوب، صار الكوب. وإن وضعته في زجاجة، صار الزجاجة. وإن وضعته في إبريق، صار الإبريق. الماء يمكن أن يجري، ويمكن أن يتحطّم. كن كالماء يا صديقي». لم يكن يتحدّث عن القتال وحده؛ كان يصف طريقةً في الحياة كلّها، طريقةً يعرفها كل من حاول يومًا أن يتصلّب أمام العالم فانكسر، بينما نجا من كان طيّعًا فمرن.

أفرغ ذهنك، كن بلا شكل، بلا هيئة، كالماء… الماء يمكن أن يجري، ويمكن أن يتحطّم. كن كالماء يا صديقي.بروس لي، مقابلة تلفزيونية، 1971

والمفارقة أن الرجل الذي قال هذا كان أقوى مقاتلٍ عرفه جيله؛ لم تكن فلسفته دعوةً للاستسلام أو الميوعة، بل شيئًا أدقّ بكثير: أن القوة الحقيقية لا تكمن في التصلّب، بل في القدرة على التكيّف دون أن نفقد أنفسنا. الصخرة تبدو أقوى من النهر، لكنها هي التي تتآكل بمرور القرون، بينما يستمر الماء يجري، يلتفّ حولها، يجد طريقه من كل شقٍّ صغير. وهذا بالضبط ما نسمّيه هنا التواضع: ليس ضعفًا نتظاهر به، بل قوةً هادئة تعرف متى تليّن ومتى تصمد، دون أن تحتاج إلى إثبات نفسها بالتصلّب.

الكبرياء التي تتصلّب فتنكسر

وهنا يلتقي بروس لي بما تحدّثنا عنه في مقال الكِبْر: أن الكبرياء غالبًا ما تكون قشرةً صلبة نبنيها حول أنفسنا خوفًا من أن نُرى على حقيقتنا، فنتصلّب أمام كل نقدٍ، وكل تغيير، وكل ما لا يتّفق مع صورتنا عن أنفسنا. لكن القشرة الصلبة، مهما بدت قوية، هي أول ما ينكسر حين تشتدّ الضغوط؛ بينما الشيء الطيّع — كالماء، وكالغصن الأخضر الذي ينحني بثمره ولا ينكسر — هو ما يصمد فعلًا. وهذا صدى لما يصفه كارل يونغ حين يتحدّث عن «التضخّم»: تلك الحالة التي تنتفخ فيها الأنا حتى تصير صلبةً هشّة، تخاف أي شيء قد يُظهر ضعفها، فتُغلق كل الأبواب التي كان يمكن أن تدخل منها الحياة نفسها.

لوحة يابانية للخيزران في الفصول الأربعة، توسا ميتسونوبو
توسا ميتسونوبو، «الخيزران في الفصول الأربعة»، أواخر القرن الخامس عشر–أوائل السادس عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ولعلّ الخيزران في هذه اللوحة اليابانية أصدق تمثيلٍ لما قصده بروس لي؛ فهو من أكثر النباتات مرونة، ينحني مع الريح حتى يكاد يلامس الأرض، ثم يعود لينتصب من جديد، بينما تتكسّر الأشجار الأصلب حوله في العاصفة نفسها. وهذا ليس ضعفًا في الخيزران، بل حكمةٌ صامتة: أنه يعرف متى يقاوم ومتى يستسلم للريح لينجو منها. والتواضع الذي نتحدّث عنه هنا من الجنس نفسه؛ فهو ليس أن ننكر قدراتنا أو نصغّر أنفسنا زورًا، بل أن نعرف — كالخيزران — أن المرونة ليست تفريطًا في الذات، بل طريقةً أذكى للبقاء عليها.

أن نُفرغ الكوب لنملأه من جديد

ومن أجمل ما قاله بروس لي أيضًا: «أفرغ كوبك كي يمكن ملؤه؛ كن فارغًا لتصير ممتلئًا». وهذه فكرة نجدها بصورةٍ مختلفة عند الغزالي حين يتحدّث عن أن القلب المتكبّر لا يتّسع لعلمٍ جديد ولا لحكمةٍ جديدة، لأنه مملوءٌ أصلًا بصورته عن ذاته؛ بينما القلب المتواضع يبقى كوبًا فارغًا، مستعدًّا لأن يُسكَب فيه كل يوم شيء جديد. وهذا بالضبط ما يجعل التواضع بابًا للحرية لا للضَّعة: فحين نتوقف عن التمسّك بشكلٍ واحد لأنفسنا، نصير قادرين أن نتعلّم، وأن نتغيّر، وأن نستمع لمن يخالفنا دون أن نشعر بأن وجودنا كله مهدَّد.

وربما هذا ما جعل بروس لي، رغم شهرته وقوته البدنية الاستثنائية، رجلًا يواظب على القراءة والتأمل حتى آخر أيامه، يجمع من الفلسفة الصينية والغربية معًا دون أن يتقيّد بمدرسةٍ واحدة؛ لأنه كان يعرف أن التصلّب على فكرةٍ واحدة، مهما بدت صحيحة، هو أول خطوةٍ نحو الجمود. والجمود، في النهاية، هو ضدّ الحياة نفسها؛ فالحياة تجري، والماء يجري، والقلب الحيّ وحده هو من يعرف كيف يتدفّق معها.

لا حدود، بل هضابٌ نتجاوزها

لوحة رجلين أمام شلال عند الغروب، يوهان كريستيان دال، 1823
يوهان كريستيان دال، «رجلان أمام شلال عند الغروب»، 1823 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي أوراقه الخاصة التي جُمعت بعد وفاته، ترك بروس لي سطرًا آخر يكمل الفكرة نفسها من زاويةٍ مختلفة: إن وضعنا حدودًا لكل ما نفعله، جسديًّا أو غير ذلك، فإن ذلك ينتشر إلى عملنا وإلى حياتنا كلها.

لا توجد حدود. توجد فقط هضاب، ويجب ألّا تبقى عندها، بل تتجاوزها.بروس لي، من أوراقه الشخصية (نُشرت لاحقًا في Striking Thoughts)

وهذا الشلال أمامنا مثالٌ حيّ على الفكرة: الماء لا يتوقف حين يصل حافة الصخر؛ فما يبدو نهاية للمجرى ليس سوى هضبةٍ يتجاوزها الماء بثقة، ليتابع جريانه شكلًا جديدًا في مستوًى مختلف. والكبرياء، على النقيض، هي ما يجعلنا نظن أن الهضبة التي وصلنا إليها اليوم هي قمّتنا الأخيرة، فنتوقف هناك خوفًا من السقوط، بينما التواضع هو ما يمنحنا الثقة لنقفز إلى الشكل التالي من أنفسنا، مهما بدا المجهول مخيفًا من فوق.

وأجمل ما في هذا الدرس أنه لا يطلب منّا أن نتخلّى عن قوتنا، بل أن نعيد تعريفها: فالقوة الحقيقية ليست في أن نبقى صلبين مهما كلّف الأمر، بل في أن نملك من الثقة الهادئة ما يكفي لنكون طيّعين دون أن نخاف الذوبان. فالماء لا يُهزم لأنه لا يقاوم؛ هو يهزم الصخر تحديدًا لأنه يعرف متى يستسلم لشكل الطريق، ومتى يواصل الجريان نحو البحر. وربما هذا كل ما تطلبه منّا الحياة أيضًا: أن نتدفّق بثقةٍ لا بتصلّب، وأن نصل — كالماء دائمًا يصل — إلى حيث ينبغي أن نكون.