
في كوبنهاغن، منتصف القرن التاسع عشر، عاش فيلسوفٌ لم يُحبّ الأضواء ولا الحشود، لكنه رأى في نفوس من حوله ما لم يجرؤ أحدٌ على تسميته: سورين كيركغارد (1813–1855)، أحد أوائل من كتبوا عن القلق والوجود بصدقٍ يشبه الاعتراف أكثر مما يشبه الفلسفة. وفي كتابه «مرض حتى الموت» (1849)، توقّف عند شعورٍ نعرفه جميعًا ونادرًا ما نعترف به: الحسد. لكن بدل أن يصفه بالكراهية أو الشرّ، رأى فيه شيئًا أكثر إيلامًا وأكثر إنسانية: إعجابًا لم يجد الشجاعة ليكون إعجابًا.
الإعجاب استسلامٌ سعيد؛ والحسد تأكيدٌ تعيسٌ للذات.سورين كيركغارد · «مرض حتى الموت»، 1849
حين لا نجرؤ أن ننحني
يشرح كيركغارد فكرته بدقّةٍ تكاد تؤلم: حين نرى في شخصٍ آخر شيئًا جميلًا، أمامنا طريقان. الأول أن نستسلم لهذا الجمال، أن ننحني له بصدق، فنقول بصوتٍ عالٍ: هذا رائع، وأنا سعيدٌ برؤيته. هذا ما يسمّيه «الاستسلام السعيد». أما الطريق الثاني، فهو أن نخاف هذا الانحناء، أن نراه إذلالًا لنا، إقرارًا بأننا أقل. عندها لا نُلغي الإعجاب — فهو ما زال موجودًا بداخلنا — لكننا نُلبسه ثوبًا آخر، ثوب الحسد، لنُخفي عن أنفسنا أننا معجَبون أصلًا. وهذا قريبٌ ممّا رأيناه مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن ما نرفض الاعتراف به في أنفسنا لا يختفي، بل يتنكّر، ويخرج منّا بوجهٍ آخر لا نتعرّف عليه.

لغةٌ نتكلّمها لنخدع أنفسنا
والألطف في تحليل كيركغارد أنه لا يكتفي بتسمية الحسد، بل يفضح لغته أيضًا. فحين يرفض الحاسد الانحناء لما يُعجبه، يبدأ يتحدّث عنه بلغةٍ مختلفة تمامًا:
الحاسد معجبٌ يُخفي إعجابه؛ وحين لا يقوى على الاستسلام لما يُعجبه، يختار أن يحسده. عندها يتكلّم بلغةٍ أخرى، لغةٍ يصف فيها ما يُعجبه بأنه لا شيء، شيءٌ تافهٌ ومُذِلّ وغريب ومبالغ فيه.سورين كيركغارد · «مرض حتى الموت»، 1849
لعلّنا سمعنا هذه اللغة من أنفسنا يومًا: حين نُقلّل من إنجاز صديق، أو نصف نجاح أحدهم بأنه «حظّ» لا موهبة، أو نبحث عن عيبٍ صغير في عملٍ يستحق الثناء. كيركغارد يقول إن هذه اللغة ليست حكمًا صادقًا على الآخر، بل ترجمةً مشوّهة لإعجابٍ لم نمنح أنفسنا إذنًا بالشعور به. وكما رأينا في مقال مرآةٌ نُسمّيها صديقًا، حين تحدّث لاروشفوكو عن الحسد الذي يتسلّل حتى بين أقرب الأصدقاء، فإن أصدق علاجٍ له ليس أن نتظاهر بأننا لا نشعر به، بل أن نعيد تسميته: أن نقول لأنفسنا، بصدقٍ، إننا معجَبون، لا حاسدون.
والملاحظة الأدقّ عند كيركغارد أن هذا التنكّر لا يوفّر علينا شيئًا؛ فالحسد يستهلك الطاقة نفسها التي كان الإعجاب سيمنحنا إياها مجانًا، لكنه يحوّلها إلى مرارةٍ بدل أن يحوّلها إلى دافع. فحين نُعجب بصدق، نخرج من اللقاء وقد اتّسعت أذواقنا قليلًا، وربما تعلّمنا شيئًا من الذي أعجبنا به. أما حين نحسد، نخرج من اللقاء نفسه أفقر ممّا دخلناه، لأننا أنفقنا الشعور على إنكاره لا على الاستفادة منه. وهذه هي المفارقة التي يضعنا كيركغارد أمامها بلطفٍ: أن الطريق الأقصر للراحة ليس كبت الإعجاب، بل الاستسلام له.

وربما هذا أجمل ما في رؤية كيركغارد: أنه لا يطلب منّا أن نتوقف عن الإعجاب، بل أن نجرؤ عليه بصوتٍ عالٍ. فكل مرة نقول فيها «هذا جميل، وأتمنى لو استطعت مثله» بدل أن نصمت أو ننتقد، نخلع الثوب الذي كان يُخفي إعجابنا، ونستعيد شيئًا من طمأنينتنا. وللحسد دواءٌ رأيناه في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم: أن نمنح من حولنا لطفًا صادقًا لا مقارنةً خفية. ومن هذا الإعجاب الذي تحرّر أخيرًا من ثوبه، تبدأ محطتنا التالية في هذه الرحلة، حيث نلتقي بجمرةٍ تحتاج أن تُروَّض لا أن تُطفأ، في مقال فنّ ألّا تُشعل النار.

