
إذا صببت الماء في كأسٍ حتى يفيض، فأنت لا تزيد الكأس شيئًا؛ كل ما يفعله الفائض أن يسيل على يدك ويُهدر على الأرض. هذه الصورة البسيطة افتتح بها الحكيم الصيني لاوتزو (القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا) أحد أعمق فصول كتابه «تاو تي تشينغ»، ليقول شيئًا يخالف حدسنا الأول: أن المزيد، بعد نقطةٍ معينة، لا يزيدنا شيئًا؛ بل يبدأ يأخذ منّا أكثر ممّا يعطينا.
مَن يملأ كأسه حتى يفيض، خيرٌ له أن يتوقف في الوقت المناسب… قاعةٌ مليئة بالذهب واليشب، لا أحد يقدر أن يحرسها.لاوتزو · «تاو تي تشينغ»، الفصل التاسع
ولم يكن لاوتزو زاهدًا يكره الغنى أو يدعو إلى الفقر؛ كان حكيمًا يلاحظ الطبيعة ويستخلص منها قوانينها الهادئة. القمر يمتلئ ثم يتناقص، والمدّ يعلو ثم ينحسر، والشجرة التي تطول أكثر من اللازم تصير عرضةً لأول ريحٍ قوية. وهذا بالضبط ما رأيناه من زاويةٍ مختلفة في مقال الجوع الذي لا يشبع: أن الطمع ليس فيضًا من الرغبة الصحية، بل جوعًا لا تُرضيه الزيادة، لأن المشكلة ليست في قلة ما نملك، بل في العلاقة نفسها التي تربطنا بما نملك.
الفراغ الذي يصنع الفائدة
ومن أغرب ما في فكر لاوتزو أنه يمدح الفراغ لا الامتلاء: يقول إن العجلة تدور بفضل الفراغ حول محورها، وإن الإناء يصلح للاستعمال بفضل الفراغ الذي في جوفه، وإن الغرفة تصير مسكنًا بفضل الفراغ بين جدرانها. لو امتلأ الإناء بالطين حتى آخره، ما عاد إناءً؛ صار كتلةً صمّاء لا نفع فيها. وهذا ما يجعل القناعة، في نظره، ليست تنازلًا محزنًا عن الرغبة، بل حكمةً عملية: أن نترك في حياتنا فراغًا كافيًا لتدور فيه الأيام، بدل أن نملأها حتى تتجمّد.

قارن هذا الوعاء البسيط بمائدة الفضيات التي افتتحنا بها المقال: لا فائض فيه ولا زخرفة تتوسّل الإعجاب، ومع ذلك يؤدي وظيفته كاملة. وهذا بالضبط ما لاحظه كارل يونغ بعد لاوتزو بأكثر من ألفي عام حين كتب عن خطر أن نملأ حياتنا بأشياء خارجية هربًا من فراغٍ داخلي لم نجرؤ على مواجهته: فالطمع، من هذه الزاوية، ليس شراهةً في المعدة، بل خوفًا من فراغٍ نحسبه عدوًّا، بينما هو — كما رأى لاوتزو في الوعاء والعجلة والغرفة — الشرط الذي يجعل الامتلاء ممكنًا أصلًا.
الغنى الذي لا يُصادَر
وفي فصلٍ آخر من الكتاب نفسه، يضع لاوتزو معيارًا للغنى يقلب المعيار المعتاد رأسًا على عقب: ليس الغني من يملك أكثر، بل من يحتاج أقل.
من يعرف أن لديه ما يكفيه فهو غنيّ. من يثابر بإرادةٍ فله عزيمة. من لا يفقد مكانه فهو باقٍ.لاوتزو · «تاو تي تشينغ»، الفصل الثالث والثلاثون
وهذا التعريف يحرّرنا من سباقٍ لا خط نهاية له: فمهما جمعنا، سيبقى هناك من يملك أكثر، وطالما قسنا غنانا بمقارنةٍ مع الآخرين، سنبقى فقراء مهما امتلأت خزائننا. أما من نقل الميزان إلى داخله — فسأل نفسه «هل عندي ما يكفيني اليوم؟» بدل أن يسأل «هل عندي أكثر من جاري؟» — فقد وجد غنًى لا يستطيع أحد أن يصادره منه، لأنه لا يقوم على مقارنة، بل على قناعةٍ هادئة لا تحتاج شاهدًا من خارجها لتثبت نفسها.

وحين ننظر إلى منظرٍ طبيعي كهذا، لا نشعر بحاجةٍ لأن نملكه كي نستمتع به؛ الجبل لا يصغر لأن غيرنا رآه، والنهر لا ينضب لأن ألف عينٍ شربت من جماله قبلنا. وهذا بالذات ما وعد به لاوتزو: أن ثمة غنًى لا ينافس عليه أحد، لأنه لا يُستهلك بالمشاركة، بل يزداد بها. من تعلّم أن يكتفي بما بين يديه، ويفرح بما يرى دون أن يحتاج أن يملكه، يكتشف أن الكأس التي توقف عن ملئها منذ زمن لم تكن تنقصه شيئًا؛ كانت، طوال الوقت، تكفيه تمامًا كما هي.
