لوحة مخطوطة إسلامية تصوّر طبيبًا يحضّر إكسيرًا علاجيًا، من كتاب مفردات الطب لديسقوريدوس، بغداد 1224
عبد الله بن الفضل، «طبيبٌ يحضّر إكسيرًا»، من مخطوطة الأدوية المفردة لديسقوريدوس، بغداد، 1224 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في بغداد نفسها، وفي القرن الذي تلا وفاة الغزالي بجيلٍ واحد، كان نسّاخٌ يرسم هذه الصورة: طبيبٌ يحضّر إكسيرًا من نباتاتٍ ومعادن، بدقّةٍ تشبه دقّة الكيميائي. كانت بغداد يومها مدينة الأطباء والمكتبات، حيث تُدرَّس علل الجسد بمنهجٍ صارم: تشخيصٌ، ثم دواء، ثم متابعة. وأبو حامد الغزالي (1058–1111)، الذي جلس على أرفع منصب علميّ في زمانه بمدرسة النظامية في بغداد، أراد أن يفعل بالقلب ما يفعله هؤلاء الأطباء بالجسد: أن يضع لأمراضه تشخيصًا دقيقًا، لا مواعظ عامة.

كان الغزالي في قمة مجده حين اجتاحته أزمة داخلية حادة: شكٌّ عميقٌ في كل ما كان يعرفه يقينًا، حتى عجز عن الكلام أمام تلاميذه. فترك المنصب والمكانة، وخرج من بغداد متخفيًا، وتجوّل سنواتٍ بين دمشق والقدس والحجاز، يبحث عن يقينٍ لا يهتزّ. ومن رحلة الشكّ تلك خرج بكتابه الأضخم «إحياء علوم الدين»، ومن أهمّ أقسامه ربعٌ كامل خصّصه لأمراض القلب: الكِبْر، الحسد، الغضب، حبّ الدنيا، وغيرها، كل مرضٍ بتعريفه وأسبابه وعلاجه، تمامًا كما يكتب الطبيب عن الحمّى أو الصداع.

والمدهش أن الغزالي، وهو يكتب هذه الخريطة، لم يكتبها من موضع مَن شُفي، بل اعترف صراحةً أن أهل العلم أنفسهم ليسوا في مأمنٍ من المرض الذي يصفونه:

الأطباء هم العلماء، وقد استولى عليهم المرض، فالطبيب المريض قلّما يلتفت إلى علاج نفسه.الغزالي · «إحياء علوم الدين»، كتاب رياضة النفس

وفي هذه الجملة وحدها يكمن جوهر التواضع كما فهمه الغزالي: ليس التواضع أن ننكر ما نعرفه، بل أن نعترف بأن معرفتنا وحدها لا تشفينا. فكم من عالمٍ يحفظ آيات الصبر ويغضب لأتفه سبب، وكم من واعظٍ يتحدّث عن الزهد وقلبه معلّقٌ بما يملك. المعرفة عند الغزالي شرطٌ للعلاج لا العلاج نفسه، والفارق بينهما هو بالضبط ما يسقط فيه المتكبّرون بالعلم: أن يظنّوا أن معرفتهم بالداء تعفيهم من أن يكونوا هم أنفسهم مصابين به.

لوحة الفتاة المريضة عشقًا ليان ستين، طبيب يفحص نبض فتاة مستلقية في الفراش بينما تراقبها خادمة
يان ستين، «الفتاة المريضة عشقًا»، نحو 1660 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة الهولندية، طبيبٌ يمسك نبض فتاةٍ طريحة الفراش، بينما لا شيء في جسدها يشي بعلّة. وهذا مشهدٌ أحبّه رسّامو ذلك العصر: أن يصوّروا طبيبًا يبحث عن مرضٍ لا تكشفه العين، لأن سببه ليس في الجسد بل في القلب. وهذا بالضبط ما قصده الغزالي حين قسّم أمراض القلب: أمراضٌ لا حرارة لها ولا سعال، فتمرّ سنين ونحن نحملها دون أن ندري، حتى نظنّها طبعًا فينا لا علّة تُعالَج. الكِبْر الذي تأمّلناه في مقال الظلّ الذي ننكره، والطمع الذي فصّلناه في الجوع الذي لا يشبع، كلاهما من هذه الأمراض الصامتة التي رسم الغزالي خريطتها الأولى قبل عشرة قرون.

دواءٌ يُؤخَذ لا وصفةٌ تُحفَظ

ولم يكتفِ الغزالي بالتشخيص، بل وضع لكل داءٍ علاجًا عمليًّا، أقرب إلى تمارين الطبيب منه إلى الوعظ: لعلاج الكِبْر، أن يخالط المتكبّر مَن هم أدنى منه مقامًا في نظره فيخدمهم بيده؛ ولعلاج الغضب، أن يتوضّأ ويصمت حتى تهدأ ثورته؛ ولعلاج حبّ الدنيا، أن يتصدّق بما يحبّ لا بما يفيض عن حاجته. وهذه كلها وصفاتٌ لا تُقرأ فحسب بل تُمارَس، لأن الغزالي كان يعرف أن معرفة الدواء لا تكفي، كما لا يكفي حفظ اسم الدواء دون شربه.

ورقة من مخطوطة عربية مصوّرة لكتاب الأدوية المفردة لديسقوريدوس، نبات طبي مرسوم بدقة
ورقة من مخطوطة «الأدوية المفردة» لديسقوريدوس، القرن الثالث عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وكما رسم النسّاخون في هذه المخطوطات كل نبتةٍ بأوراقها وجذورها ليعرف الطبيب أين يجدها، رسم الغزالي لكل مرض علاجه بدقّةٍ مماثلة، حتى لا يبقى القارئ حائرًا بين اليأس من نفسه والرضا الأعمى عنها. فالمحاسبة اليومية التي دعا إليها — أن يسأل المرء نفسه كل ليلة: أين ربحتُ اليوم وأين خسرت؟ — هي جرعة الدواء اليومية التي لا تُغني عنها قراءة الوصفة مرّة واحدة. ومن هنا كانت رحلته الشخصية في الشكّ والخروج من بغداد نفسها جزءًا من العلاج: فقد جرّب على نفسه كل ما وصفه لغيره، ولم يكتفِ بأن يكون قارئًا للخريطة، بل صار سالكًا في دروبها.

وحين نقرأ اليوم عن هذا الرجل الذي بلغ قمة العلم ثم اعترف أنه لا يزال مريضًا، نفهم لماذا اختار الغزالي أن يبدأ كتابه بمعرفة النفس لا بمعرفة الله مباشرة، إذ رأى الطريقين متلازمين لا منفصلين:

من عرف نفسه فقد عرف ربّه.الغزالي · «إحياء علوم الدين»، كتاب شرح عجائب القلب

فالتواضع عند الغزالي ليس أن يحتقر الإنسان نفسه، بل أن يراها كما هي بلا تجميل: فيها استعدادٌ للكِبْر كما فيها استعدادٌ للتواضع، وفيها بذرة الحسد كما فيها بذرة الرضا، والفرق كله في أيّ البذرتين نسقي. ومن يعرف هذا عن نفسه لا يحتاج أن يتظاهر بالكمال أمام أحد، لأن التظاهر نفسه أحد أعراض المرض الذي يحاول أن يخفيه.

حين يصير الاعتراف بداية الشفاء

وأجمل ما في خريطة الغزالي أنها لا تنتهي بإدانة، بل ببابٍ مفتوح: فكل مرضٍ وصفه له دواء، وكل قلبٍ مهما أظلم فيه استعدادٌ للنور. ومن يقرأ هذه الخريطة اليوم لا يخرج منها مثقلًا بعيوبه، بل خفيفًا لأنه عرفها أخيرًا بأسمائها الحقيقية، فصار قادرًا أن يعالجها لا أن يقاومها وهو لا يعرف اسمها. وهذا بالضبط ما تعنيه الحرية التي يعد بها التواضع: أن نكفّ عن حراسة صورةٍ مزيّفة لأنفسنا، فنجد، خلف كل مرضٍ اعترفنا به، متّسعًا من السلام لم نكن نعرف أنه كان قريبًا منّا طوال الوقت.