في هذه اللوحة، ريش الطاووس المحيط بالمرأة ليس زينةً فحسب، بل عيونٌ كثيرة تراقب من كل جهة؛ فالطاووس، في رمزية ذلك العصر، كان صورة اليقظة الدائمة التي لا تنام. وهذه صورةٌ دقيقة لما نعيشه اليوم دون أن نختاره: عيونٌ لا تُحصى، ليست علينا فقط بل لنا أيضًا، مفتوحةٌ على حياة كل مَن نعرف في كل لحظة. فبعد أن كان الإنسان يرى صحن جارٍ واحد فوق سور حديقته، صار يرى اليوم آلاف الصحون، وآلاف الرحلات، وآلاف الابتسامات، كل صباح، على شاشةٍ في يده.
ولفهم لماذا يؤلمنا هذا الكمّ من المقارنة أكثر ممّا كان يؤلم أجدادنا، يفيدنا تعريفٌ وضعه أرسطو قبل أكثر من ألفي عام في كتابه «الخطابة»:
الحسد ألمٌ نشعر به عند رؤية حظٍّ حسنٍ كالذي ذكرناه؛ نشعر به تجاه من يشبهوننا، لا لأننا نريد أن نحصل على شيء لأنفسنا، بل لأن الآخرين يملكونه.أرسطو · «الخطابة»، الكتاب الثاني
ولاحظ أرسطو أمرًا دقيقًا: نحن لا نحسد كل أحد، بل نحسد مَن نشبههم، مَن نراهم أقراننا. زميل الدراسة القديم لا الملياردير البعيد، والصديقة التي تشبه ظروفنا لا الممثلة التي تعيش عالمًا آخر كليًّا. وهذا بالذات ما تفعله وسائل التواصل: إنها تحوّل ملايين الغرباء إلى «أقران» ظاهريين، فتعرض علينا أخبار أشباهنا بلا توقّف، وتُغرق قلوبنا بموادّ خامٍ للحسد أكثر ممّا عرفه أي جيلٍ قبلنا.
الوجبة الكاملة مقابل الصورة الواحدة
وفي هذا البورتريه، كل تفصيلٍ مُرتَّب بعناية: الثوب، والوقفة، والكتاب في اليد. فالبورتريه لم يكن يومًا يعرض يومًا عاديًّا، بل أفضل لحظةٍ اختارها صاحبها ليُرى بها. وهذا بالضبط ما وجدته دراسةٌ أجرتها الباحثات مي-لي ستيرز وزميلاتها عام 2014 في مجلة علم النفس الاجتماعي والإكلينيكي: أن الشعور بالاكتئاب يرتبط بوقت مطوّل على فيسبوك، ليس بسبب الوقت نفسه، بل بسبب المقارنات الصاعدة التي يصنعها؛ فنحن نقارن يومنا الكامل بتفاصيله المملّة وأخطائه الصغيرة، بصورةٍ واحدة مُنتقاة بعناية من يوم شخصٍ آخر. وهذه مقارنةٌ غير عادلة من أساسها: كأن نقارن وجبتنا كاملة، بأطباقها التي احترقت وتلك التي نجحت، بصحنٍ واحدٍ مثاليٍّ اختار صاحبه أن يصوّره من أفضل زاوية.
ولم يكن هذا الميل إلى المقارنة اختراعًا حديثًا، بل غريزة قديمة وصفها عالم النفس ليون فستنغر عام 1954 حين وضع أساس ما يُعرف اليوم بـ«نظرية المقارنة الاجتماعية»:
يوجد في الكائن البشري دافعٌ لتقييم آرائه وقدراته.ليون فستنغر · «نظرية عمليات المقارنة الاجتماعية»، 1954
فنحن لا نملك مقياسًا داخليًّا مطلقًا لنعرف هل نحن بخير أم لا، فنلجأ إلى مقارنة أنفسنا بغيرنا لنفهم موقعنا. وهذا الدافع، في حدوده الطبيعية، مفيدٌ بل ضروري؛ المشكلة ليست فيه، بل في أن تحوّلت مادّته الخام من جارٍ واحد نراه أحيانًا، إلى آلاف الصور المنتقاة نراها كل دقيقة. وكما تأمّلنا في مقال الظلّ الذي ننكره عن الإسقاط عند يونغ، فإن الحسد غالبًا ما يكشف رغبةً في داخلنا لم نسمح لأنفسنا بالاعتراف بها، فرأيناها أوضح ما تكون منعكسةً في صورة شخصٍ آخر.
وفي هذه اللوحة، امرأتان منشغلتان بحديثٍ عن أحدٍ غائب، وهو ما يفعله الحسد أيضًا حين لا نواجهه: يحوّلنا إلى مراقبين لحياة غيرنا بدل أن نحيا حياتنا. وقد وصف الغزالي هذا المرض بدقّة في مقال طبيب القلوب، ودواءه عنده لم يكن كتم الحسد أو التظاهر بغيابه، بل عملًا معاكسًا مباشرًا: أن ندعو لمن حسدناه بالخير، ولو كان قلبنا في البداية لا يريد ذلك، حتى يتعلّم القلب شيئًا فشيئًا أن يفرح لما ناله غيره.
أن نرى الصورة لا الحياة كلّها
وأبسط علاجٍ عمليّ لهذا كله لا يحتاج ترك الشاشة كليًّا، بل تذكّرًا بسيطًا في اللحظة التي يبدأ فيها القلب يضيق: أن الصورة التي أمامنا لقطةٌ واحدة، لا الوجبة كاملة؛ فخلف كل صحنٍ لامع لا نعرف كم طبقًا احترق قبله، وخلف كل ابتسامة لا نعرف كم يومًا صعبًا سبقها. ومن يتذكّر هذا باستمرار يكتشف أن قلبه يخفّ تدريجيًّا من عبءٍ لم يكن يحتاج أن يحمله أصلًا، ويستعيد مساحةً كانت مشغولةً بمقارنةٍ لا تنتهي، فيملأها بدلًا من ذلك بفرحٍ حقيقي بما بين يديه هو، وبفرحٍ أصدق بما ناله الآخرون أيضًا.

