
في حقول فيتنام حيث نشأ الراهب البوذي تيك نات هان، لا تُزهر أجمل الزهور في ماءٍ صافٍ، بل في قاعٍ كثيفٍ بالوحل. من هذه الملاحظة البسيطة، التي يراها كل من زار حقلًا للأرز، صاغ تيك نات هان أحد أعمق دروسه عن الألم الإنساني، وسمّى الكتاب الذي شرح فيه هذا الدرس ببساطة: “لا وحل، لا لوتس”.
بوحل المعاناة نستطيع أن نصنع لوتس الفهم والرحمة. لا وحل، لا لوتس.تيك نات هان، لا وحل لا لوتس، 2014
ومعنى هذا أن المعاناة، ومنها الغضب، ليست عطبًا يجب اجتثاثه من الحياة، بل مادةً خامًا لا يُصنع بدونها أي فهمٍ حقيقي. وهذا عكس ما نظنّه غالبًا حين نغضب: أننا نريد أن “نتخلّص” من الغضب كما نتخلّص من نفايةٍ لا فائدة منها، وننسى أنه، مهما بدا قبيحًا في لحظته، جزءٌ حيّ من تربتنا الداخلية.
حين نظنّ أننا وحدنا من يتألم
يشرح تيك نات هان أن أول خطوةٍ نحو تحويل الغضب هي أن نتوقف عن الظنّ بأننا وحدنا من يعاني في اللحظة التي يغضب فيها أحدهم منّا أو علينا. فحين يهيننا شخصٌ أو يتصرّف بعنف، يسهل أن نرى أنفسنا ضحايا خالصةً وأن نرى الطرف الآخر جلّادًا خالصًا. لكن الحقيقة أعقد من هذا: من يهيننا هو أيضًا إنسانٌ يعاني من عنفه وغضبه هو، وغضبه ليس إلا فيضًا من ألمٍ داخليٍّ لم يجد طريقًا آخر ليخرج منه. حين نرى هذا، لا يهدأ الموقف بالضرورة، لكن قلوبنا تتّسع لتحمل ما يجري بلا أن تنكسر.

وهذا لا يعني أن نكبت غضبنا أو نتظاهر بأنه لم يكن، فتيك نات هان يرفض هذا الحلّ صراحةً، كما رفضه سينيكا الرواقي قبله بألفي عام حين كتب في مقال فنّ ألّا تُشعل النار أن الغضب طاقةٌ يجب أن تُوجَّه لا أن تُقمَع. الفرق الدقيق عند تيك نات هان أنه يذهب خطوةً أبعد: فلا يكفي أن نوجّه الغضب، بل ينبغي أن نحتضنه كما نحتضن طفلًا يبكي، بحنانٍ لا بعنف، حتى يهدأ من تلقاء نفسه.
لا ينبغي أن نحارب غضبنا، لأن الغضب هو أنفسنا، جزءٌ منّا. اعتنِ به بلطف، ولا تقمعه، وحوّله إلى طاقة الفهم والرحمة.تيك نات هان، الغضب: حكمة لإخماد اللهيب، 2001
القمامة نفسها تصلح سمادًا
ولتوضيح هذه الفكرة، يستعير تيك نات هان صورةً من عمله في الحديقة: القمامة العضوية، مهما بدت كريهة الرائحة، ليست نقيض الزهرة، بل مادتها الأولى؛ فحين تتحلّل في التربة، تتحوّل إلى سمادٍ يُغذّي النبتة نفسها. وهذا بالضبط ما يحدث حين نتعلّم أن نرعى غضبنا بدل أن نحاربه أو نكبته: يتحوّل، ببطء، إلى فهمٍ أعمق لأنفسنا وللآخرين. وهنا يلتقي تيك نات هان بما تأملناه في مقال الظلّ الذي ننكره: فكارل يونغ رأى أيضًا أن الأجزاء التي نرفضها في أنفسنا، ومنها غضبنا، لا تختفي لمجرد أننا ننكرها، بل تنتظر أن نصالحها لنستعيد كامل طاقتنا.

وربما هذا ما يفسّر لماذا يصف بعض من عرفوا الغضب الشديد ثم تجاوزوه أنفسهم بعد ذلك بأنهم أكثر رحمةً وحكمةً ممّن لم يغضبوا قط: فقد نزلوا إلى القاع، ورأوا وحله عن قرب، وخرجوا منه بفهمٍ لا يُشترى بغير هذا الثمن. وهذا شبيهٌ بما يعلّمنا إياه أرسطو في مقال السهم الذي يصيب هدفه، حين يرى أن الغضب في مكانه الصحيح ليس نقيصة بل فضيلة، لكن تيك نات هان يضيف بُعدًا آخر: أن “المكان الصحيح” للغضب ليس فقط في توقيته أو مقداره، بل في أن نمنحه المساحة ليتحوّل بدل أن نُطفئه بسرعة.
وفي النهاية، لا يطلب منّا تيك نات هان أن نحبّ الوحل، بل أن نكفّ عن الهروب منه، وأن نثق أن كل غضبةٍ نستقبلها بحنانٍ بدل أن نحاربها أو نستسلم لها، هي بذرة لوتس تنتظر فرصتها لتتفتّح. ومن أراد أن يقرأ كيف يتحوّل الانتظار نفسه إلى ثقة لا إلى قلق، ففي مقال البذرة لا تُستعجل امتدادٌ طبيعي لهذا الدرس.

