ورقة من شاهنامه الشاه طهماسب، غشتاسب يبرهن مهارته في الرماية أمام قيصر الروم، فارسٌ يرمي بالقوس نحو هدفٍ محدّد وسط حاشية متأملة
«غشتاسب يبرهن مهارته في الرماية أمام قيصر»، ورقة من شاهنامه الشاه طهماسب، إيران، نحو 1525–1530 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

عاش أرسطو في أثينا قبل أكثر من ألفَي عام وثلاثمئة عام، وترك كتابًا اسمه «الأخلاق النيقوماخية» ما زلنا نقرؤه حتى اليوم. وفيه صفحاتٌ عن الغضب تبدو للوهلة الأولى غريبة عن حكمة الحكماء: فهو لا يطلب منا أن نتخلّص من الغضب، بل أن نتعلّم أن نغضب — بشكلٍ صحيح. كان يستعين لذلك بتشبيهٍ من عالم الرماية: الرامي لا يُطلب منه ألّا يرمي، بل أن يُحسن التصويب فيصيب هدفه. كذلك الغضب عنده: ليس رذيلةً في ذاته، بل طاقةٌ تحتاج إلى مِرانٍ طويل حتى تصيب مكانها الصحيح.

أن يغضب المرء أمرٌ سهلٌ يقدر عليه أيّ أحد؛ أمّا أن يغضب من الشخص المناسب، وبالقدر المناسب، وفي الوقت المناسب، ولغايةٍ مناسبة، وبالطريقة المناسبة — فذلك ليس في متناول الجميع، وليس أمرًا هيّنًا.أرسطو · الأخلاق النيقوماخية، الكتاب الثاني

هذه الجملة، التي يردّدها الطلاب منذ عصر أرسطو، تحمل ملاحظةً دقيقة: الغضب السهل متاحٌ لكل أحد، أما الغضب الصائب فيحتاج إلى حكمةٍ عملية تُكتسب بالتمرّن لا بالفطرة وحدها. وقد رأينا في مقال فنّ ألّا تُشعل النار كيف طلب سينكا، الفيلسوف الرواقي، أن نُطفئ الشرارة الأولى قبل أن تكبر وتحرق. أرسطو لا يخالفه في الجوهر — كلاهما يريان في الغضب المنفلت خطرًا — لكنه يضيف زاوية أخرى: أحيانًا الشرارة نفسها ضرورية، لا لتحرق شيئًا، بل لتُنير طريقًا كان ينبغي أن يُرى.

ليس كل غضبٍ رذيلة

عند أرسطو، الفضيلة تقف دائمًا وسطًا بين طرفين رديئين. في باب الغضب، الطرف الأول معروفٌ ومخيف: مَن يشتعل لأتفه الأسباب، أو ينتقم بلا حدود، فيُحرق من حوله كما تحرق النار كل ما تمسّه. أما الطرف الثاني فأقل انتباهًا إليه، وربما أخطر: مَن لا يغضب أبدًا. هذا الشخص، كما يصفه أرسطو، ليس هادئًا بقدر ما هو غافل؛ فهو لا يتألم لظلمٍ يقع أمامه، ولا يدافع عن نفسه إذا أُهين، ولا عن أصدقائه إذا أُهينوا. السكوت الدائم، عنده، ليس فضيلة، بل خضوعٌ يشبه العبودية.

وقد التقينا بهذا الغياب من قبل في مقال الفتاة التي لم ندافع عنها، حين وصف الكاتب جورج سوندرز صمته أمام أذى زميلته بأنه أثقل ندمٍ حمله طوال عمره. لم يكن سوندرز غاضبًا يومها، وتلك بالذات كانت المشكلة. فالغضب الغائب في اللحظة التي تستحقّه ليس فضيلة هادئة، بل ثغرةٌ في القلب.

ورقة من ديوان مير علي شير نوائي، مبارزة في مهارة الرماية على صهوة الجياد، فارسان يتسابقان في إصابة الهدف
«مبارزةٌ في مهارة الرماية على صهوة الجياد»، ورقة من ديوان مير علي شير نوائي، 1580 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

الفضيلة مهارة لا موهبة

وهنا يكمن سرّ تشبيه الرماية: لا أحد يولد رامِيًا ماهرًا. الإصابة تأتي بعد سهامٍ كثيرة أخطأت هدفها، وبعد يدٍ تعلّمت رويدًا رويدًا قَدْر الشدّ المناسب واتجاه الريح ومسافة الهدف. كذلك الغضب عند أرسطو: لا نولد ونحن نعرف كيف نغضب في وقته وبقدره، بل نتعلّم ذلك بالممارسة، مرةً بعد مرة، حتى يصير المِزاج المعتدل عادةً راسخة لا جهدًا واعيًا في كل موقف. وهذا ما رأيناه بصورةٍ مختلفة في مقال الميزان الداخلي، حين تحدّثنا عن الفضيلة عند أرسطو نفسه بوصفها وسطًا بين إفراطٍ وتفريط. الغضب الصائب ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل أحد أوضح الأمثلة عليها.

مَن يغضب من الأشياء الصحيحة، ومع الأشخاص الصحيحين، وكذلك كما ينبغي، ومتى ينبغي، وللمدة التي ينبغي — هذا هو صاحب المزاج الطيّب، ويستحقّ الثناء.أرسطو · الأخلاق النيقوماخية، الكتاب الرابع

ولأن الفضيلة مهارة، فهي تحتاج — كأي مهارة — إلى خطواتٍ صغيرة متكرّرة لا إلى قفزةٍ واحدة. وهذا بالضبط ما تحدّثنا عنه في مقال الصباح الذي لا يأتي وحده: أن التغيير الحقيقي، في الكسل كما في الغضب، لا يبدأ بقرارٍ كبير، بل بتمرينٍ صغير يتكرر حتى يصير طبعًا.

لوحة البحر الهادئ لغوستاف كوربيه، بحرٌ ساكن تحت سماء صافية بلا أمواج عالية
غوستاف كوربيه، «البحر الهادئ»، 1869 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وقد رأينا في مقال موجةٌ تكبر بكل ضغطة كيف صارت شاشاتنا اليوم تدفعنا نحو الطرف الأول من هذا الميزان: غضبٌ سريع، بلا هدفٍ محدد، يتوسّع بمجرد ضغطة. تذكيرٌ أرسطو مفيدٌ هنا: البديل ليس أن نُطفئ كل شرارة، بل أن نتعلّم — كالرامي أمام هدفه — متى نرفع القوس ومتى نتركه في مكانه. ومَن يتقن هذا التمرين لا يحتاج بعده إلى قمع مشاعره ولا إلى الانفجار بها؛ يكفيه أن يقف، كسطح البحر في لوحة كوربيه، هادئًا لا لأن العاصفة لم تأتِ يومًا، بل لأنه تعلّم كيف يستقبلها ثم يعود إلى سكونه. وللغضب دواءٌ أعمق أيضًا يستحق زيارةً مستقلة: الصبر الذي يثق بالفصول، ذلك الاتزان الهادئ الذي يمنح السهم وقته قبل أن يُطلَق.