في قاربٍ صغير تتقاذفه أمواج هائجة، يصرخ الركّاب فزعًا بينما ينام رجلٌ واحد بينهم بهدوءٍ تام. ليست المعجزة هنا في تهدئة العاصفة، بل في ذلك الهدوء الذي يملكه شخصٌ واحد وسط ذعر الجميع. وهذه الصورة تصف بدقّة ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى: ليس عالمًا بلا عواصف، بل قدرةً على أن نبقى ثابتين حين تهبّ العاصفة، خصوصًا حين تكون تلك العاصفة صنعتها أصابعنا نحن بضغطة زرٍّ واحدة.
فقد صار الغضب اليوم أسرع المشاعر انتشارًا على الشاشة، ليس صدفة بل بحكم آلية الأنظمة نفسها. ففي دراسةٍ ضخمة نُشرت عام 2018 في مجلة «ساينس»، حلّل الباحثون سوروش فوسوغي وديب روي وسينان أرال أكثر من مئة وستّة وعشرين ألف خبرٍ تداوله نحو ثلاثة ملايين شخص على مدى إحدى عشرة سنة، ووجدوا نتيجةً واضحة:
الأخبار الكاذبة انتشرت أبعد وأسرع وأعمق وأوسع من الأخبار الصحيحة.فوسوغي وروي وأرال · مجلة «ساينس»، 2018
والسبب، كما وجدت الدراسة نفسها، أن ما يُشارَك بسرعة ليس الأدقّ بالضرورة، بل الأكثر إثارةً لمشاعر قوية كالمفاجأة والخوف والغضب. فالغضب تحديدًا مشاعرٌ «رخيصة» في نظر هذه الأنظمة: سهلة الإثارة، سريعة المشاركة، وتُبقي المستخدم متفاعلًا لحظاتٍ أطول من الحياد أو التفكير الهادئ. وهكذا لا ينتشر الغضب لأنه الاستجابة الأصوب لما نراه، بل لأنه الاستجابة التي تربح أكثر في سوق الانتباه الذي تأمّلناه في مقال آلةٌ لا تشبع.
حين نصير موجةً لا نعرف اتجاهها
وفي هذه اللوحة المصغّرة، لا تملك السفينة اتجاهها؛ الموج هو مَن يقرّر. وهذا بالضبط ما يحدث حين نُشارك في موجة غضبٍ جماعي دون أن نتوقّف: نظنّ أننا نعبّر عن رأينا، بينما نحن في الحقيقة نتحرّك بالاتجاه الذي دفعتنا إليه الخوارزمية التي اختارت لنا ماذا نرى أولًا وبأي مشاعر. وقد درست الباحثة مولي كروكيت من جامعة برينستون هذه الظاهرة، ووجدت أن منصّات التواصل «تُعلّم» مستخدميها أن يعبّروا عن سخطهم أكثر لأن ذلك يُكافَأ بإعجاباتٍ ومشاركات أكثر، حتى تحذّر من نتيجةٍ خطيرة لهذا كله:
إن كان كل شيءٍ مثيرًا للسخط، فلا شيء في الحقيقة كذلك.مولي كروكيت · أستاذة علم النفس، جامعة برينستون
وهذا هو الثمن الخفي لعصر السخط الدائم: أن الغضب، حين يُستهلَك كل يوم على أشياء صغيرة، يفقد قدرته على أن يحرّكنا فعلًا حين يقع ظلمٌ حقيقي يستحقّه. فمن اعتاد أن يغضب عشر مرّاتٍ يوميًّا من تفاصيل عابرة، يصعب عليه أن يميّز أي غضبٍ يستحق فعلًا أن يُترجَم إلى فعل، وأيّها مجرّد ضجيجٍ صنعته آلة. وقد تأمّلنا في مقال الجمرة في الكفّ كيف رأى سينكا الغضب جمرةً يجب أن نمسكها بحذر لا أن نتركها تشتعل؛ والغضب الجماعي على الشاشة هو تلك الجمرة نفسها، لكنها تنتقل الآن من كفٍّ إلى كفٍّ بسرعة النار في الهشيم.
وفي هذه اللوحة، يقف حشدٌ في الظلام يتفرّج على عرضٍ مُضاء بضوء الغاز، بلا مشاركةٍ حقيقية، فقط مشاهدة. وهذا وجهٌ آخر مزعج لعصر السخط الجماعي: أن كثيرًا مما نظنّه غضبًا أخلاقيًّا هو في الحقيقة تفرّجٌ على مشهد، لذّة مشاهدة شخصٍ آخر «يُفضَح» أو «يُحاسَب»، أقرب إلى متعة العرض منها إلى غيرةٍ صادقة على العدل. وهذا لا يعني أن كل غضبٍ جماعي زائف، فبعضه استجابةٌ ضرورية لظلمٍ حقيقي؛ لكنه يستحق أن نسأل أنفسنا، قبل أن ننضمّ إلى الموجة: هل أنا غاضبٌ لأن شيئًا خاطئًا حدث فعلًا، أم لأنني أستمتع بمشاهدة الحشد وهو يغضب؟
أن ننام وسط العاصفة لا أن نتجاهلها
وأبسط ما يمكن أن نستعيره من الغزالي هنا، كما فصّلنا في مقال الجمرة في الكفّ، هو تأخير الفعل حتى تهدأ الشرارة الأولى، وهو نصحٌ صار اليوم أسهل تطبيقًا ممّا كان: أن نضع إصبعنا فوق زرّ «مشاركة» فنتوقّف ثانيتين نسأل فيهما هل قرأنا الخبر كاملًا، وهل نعرف كل السياق، وهل ما زلنا نريد مشاركته بعد أن يهدأ نبضنا قليلًا. وهذه الثانيتان الصغيرتان قد تكونان الفارق بين أن نصير موجًا تحرّكه العاصفة، وبين أن نبقى، كذلك النائم في القارب، ثابتين وسط الضجيج، لا لأننا لا نبالي بما يحدث، بل لأننا وجدنا مرساةً داخلية لا تهتزّ كلّما اهتزّ البحر من حولنا.

