منمنمة فارسية: محفل الطيور من مخطوطة منطق الطير
حبيب الله الساوجي، «محفل الطيور» من مخطوطة «منطق الطير» لفريد الدين العطار، نحو 1600م — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

قبل ثمانية قرون تقريبًا، افتتح جلال الدين الرومي كتابه الأشهر «المثنوي» بصورةٍ ما زالت تُدهش من يسمعها: أنصتوا إلى الناي، فهو يحكي حكايته، ويشكو ألم الفراق منذ قُطع من الغاب. صورةٌ واحدة، لكنها تحمل واحدة من أعمق الأفكار التي عرفها التراث الإنساني عن الحنين.

أنصتوا إلى هذا الناي كيف يشكو؛ إنه يروي حكاية الفراق: منذ قُطعتُ من أجَمة القصب، أنّ لأنّتي الرجالُ والنساء.جلال الدين الرومي · المثنوي، مطلع الكتاب الأول (ترجمة نيكلسون)

فما الذي يجعل قصبةً مقطوعة تتحوّل إلى أجمل الأصوات؟

الجرح الذي صار نافذة

تأمل ما يحدث للقصبة كي تصير نايًا: تُقطع من أرضها الأولى، وتُجفَّف، ثم تُثقب مرة بعد مرة. لو كانت القصبة تتكلم لقالت إن هذه أسوأ أيام حياتها. لكن الحكاية لا تنتهي هنا؛ لأن كل ثقب من تلك الثقوب سيصير — حين يمرّ النَفَس — نغمةً. وهذا ما وصفه الشاعر جبران خليل جبران بلغة مختلفة تمامًا، حين تحدّث عن الألم بوصفه كسرًا يفتح ما وراءه:

ألمُك هو انكسارُ القشرة التي تحبس فهمك. تمامًا كما يجب أن تنكسر نواةُ الثمرة كي يقف قلبها في الشمس، يجب أن تعرف الألم.جبران خليل جبران · The Prophet

هذه هي الفكرة التي تلتقي عندها القصيدتان، رغم بُعد المسافة بين قائليهما: الحنين ليس دليل ضعف، بل دليل انتماء. نحنّ لأننا ننتمي إلى شيء أكبر منا، كما تحنّ القصبة إلى غابها. ولولا القطعُ ما كان الغناء.

لوحة تمرين الأورغن لهنري لرول
هنري لرول، «تمرين الأورغن»، 1885 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

لاحظ أن أحدًا في هذه اللوحة لا يبدو حزينًا، رغم أن التمرين نفسه شاق ومتكرر. فالموسيقى، مهما بدت خفيفة حين تصل إلى الأذن، وُلدت من مرانٍ طويل وتصحيحٍ متكرر للخطأ. وهذا شبيه بما تفعله القصبة كي تصير نايًا: فهي لا تصير آلة موسيقية بمجرد أن تُقطع وتُثقب، بل تحتاج بعد ذلك إلى نَفَسٍ يعرف كيف يمرّ فيها بالقدر الصحيح، لا أكثر ولا أقل. وهكذا الحنين أيضًا: لا يكفي أن نشعر به، بل نحتاج أن نتعلّم كيف نُنفِس فيه، بلا اندفاعٍ يكسره ولا كتمانٍ يخنقه.

الحنين طاقة، فإلى أين نوجّهها؟

كلنا نحمل حنينًا ما: إلى بيت الطفولة، إلى صديق فرّقته المسافات، إلى نسخةٍ من أنفسنا كنا نحبها أكثر. والسؤال الذي يطرحه الناي ليس «كيف نتخلص من الحنين؟» بل «ماذا نصنع به؟».

يمكن للحنين أن يصير حبسًا: نجلس عند الباب المغلق نبكي ما فات. ويمكن أن يصير نَفَسًا: طاقة تدفعنا لنكتب، ونصل رحمًا، ونتقن عملًا، ونحسن إلى غريب لأننا عرفنا يومًا معنى الغربة. الفرق بين الحالتين هو الفرق بين قصبةٍ ملقاة على الأرض ونايٍ بين يدي عازف.

ويصف علمُ النفس التحليلي هذه العملية بمصطلحٍ قريب: “التسامي”، أي تحويل طاقة الجرح من التكرار العقيم إلى صنيعٍ يخرج منه شيء جديد. لا يعني هذا إنكار الألم أو التعجّل بتجاوزه، بل الإصغاء إليه حتى يكشف عن الطاقة الكامنة فيه، ثم توجيه تلك الطاقة نحو ما يبني لا نحو ما يهدم. القصبة لا تنسى أنها قُطعت؛ هي فقط تعرف ماذا تفعل بذكرى القطع.

لوحة منظر طبيعي مع كوخ لبيتر دو مولين
بيتر دو مولين، «منظر طبيعي مع كوخ»، 1629 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذا الكوخ الصغير في آخر الطريق يشبه ما يحنّ إليه أكثرنا حين نحنّ: ليس مكانًا بعينه دائمًا، بل فكرة البيت — ذلك الموضع الذي كنا فيه كاملين قبل أن يقطعنا شيء عنه. والقصبة أيضًا كانت في يومٍ ما قريبة من كوخٍ كهذا، ضفةَ نهرٍ أو حافةَ حقل، قبل أن تصير نايًا يسافر بين أيدي الغرباء. المفارقة أن سفرها هذا هو ما جعل صوتها يصل إلى قلوبٍ لم تكن لتسمعها لو بقيت في مكانها الأول.

درسٌ للأيام العادية

لسنا بحاجة إلى فقدٍ كبير كي نتعلم درس الناي. يكفي أن ننتبه إلى فقداتنا الصغيرة اليومية: صباحٌ لم يمشِ كما أردنا، فرصةٌ فاتت، كلمةٌ جارحة لم نتوقعها. في كل مرة نملك الخيار نفسه: أن نغلق الثقب الجديد بالمرارة، أو أن نتركه مفتوحًا للنَفَس. وحين نتركه مفتوحًا، لا نفعل ذلك لأننا تجاوزنا الألم، بل لأننا تعلّمنا أن نسكنه بشكلٍ مختلف — لا كسجناء له، بل كموسيقيين يعرفون أن لكل ثقبٍ نغمته.

أنصتوا

أول كلمة في حكاية الناي هي «أنصتوا». ليست «افهموا» ولا «اشرحوا» — بل أنصتوا. فلعلّ هذا هو الدرس الأخير: أن نُنصت إلى حنيننا كما نُنصت إلى موسيقى بعيدة، بلا خوف ولا استعجال. فالقلب الذي يُحسن الإصغاء إلى شكواه يسمع فيها، إن أطال الإصغاء، أول النغم. ثم يكتشف أن ما ظنّه صمتًا طويلًا كان لحنًا لم يكتمل بعد.

وهذه، في النهاية، هي هدية الناي لمن يحسن الإصغاء إليه: أنه لا يعد بأن يزيل الحنين، بل بأن يحوّله إلى شيء يستحق أن يُسمَع. فالقصبة التي بكت فراقها منذ ثمانية قرون ما زالت، إلى اليوم، تُبكي من يسمعها وتُفرحه في الوقت نفسه — لأن الحنين حين يجد صوته، لا يبقى ألمًا وحسب، بل يصير أيضًا نوعًا من الجمال الذي لا يُصنع إلا من جرحٍ سبق أن التأم.